تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً
« 1 » . وقال :
الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً
« 2 » . وقال :
ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً
« 3 » . والآيات من هذا القبيل كثيرة جدا . وسبب ذلك يعود إلى ما ذكرنا : ان جميع ظواهر هذا الكون ، سواء أكانت طبيعية أم اصطناعية ، فانّها تتكون وفق قوانين عامة جعلها اللّه في جبلة الأشياء ، وهي تتفاعل مع بعضها في نظام متسق ، من غير أن تستغني عن امداد إفاضته تعالى في كلّ آن . فمن ألقى حطبا في النار واحترق الحطب ، صح القول : انّه تعالى أحرقه ، لما أودع في طبيعة النار من خاصية الاحراق وفي طبيعة الخشب من خاصية الاحتراق ، وهو تعالى يمدهما بابقاء تلك الخاصية في كلّ آن . كما صحّ القول بانّ الملقى في النار هو الذي أحرق الحطب ، لأنّه أوجد شرط هذا التفاعل الكيمياوي بين النار والخشب .

حلّ شبهات المجبرة :

وبعد فقد حان وقت التعرض لما تشبث به أهل الجبر ( الأشاعرة وأذنابهم ) من آيات وروايات حسبوها دالة على نفي استطاعة العبد وسلب قدرته وإرادته في الفعل والترك . . . وما هي إلّا شبهات تنقشع على ضوء ما قدمنا من بيان . وإليك الإجابة - تفصيلا - على ما لفقوها ، تباعا حسب الأرقام المتقدمة : - 1 - أما قوله تعالى :
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ
« 4 » فسواء أريد الأصنام أم الأعمال ذاتها ، فانّها مخلوقة للّه بالمعنى المتقدم ، حيث لم يكن صنع البشر سوى ايجاد شرط التفاعل بين قوى التكوين ، ولم يكونوا هم مستقلين في تحقيق أي صنع أو عمل ما دامت القوى الطبيعية هي التي تتجاذب وتتماسك مع بعضها
هامش
( 1 ) النور : 43 . ( 2 ) الروم : 48 . ( 3 ) الزمر : 21 . ( 4 ) الصافات : 96 .
التمهيد في علوم القرآن — صفحة 185 | الشيخ محمد هادي معرفة