كما هو الشأن في سائر الصفات الفعلية كالخلق والرزق والاحياء والإماتة .
وهذه الإرادة من اللّه بالنسبة إلى أفعال العباد الاختيارية واقعة في رتبة التابع من المتبوع ، حيث جرت سنته تعالى على تحقق ما يريد العباد فعله ، وقد عبّر عنها في القرآن بالاذن . فما يريد العباد ايجاده من أفعال اختيارية ، فإنّه تعالى يأذن في تحققها وفق ما يريدون - حسبما تقدم - وعليه فلم تكن إرادة العبد معلولة لإرادته تعالى ، ولا منبعثة عنها ، كما توهمه بعض المتفلسفين . وانما إرادته منبعثة عن داخل ذاته عند حصول مقدماتها السالفة ، لا عن شيء آخر . وبذلك أثبتنا اختيارية الإرادة من العباد اختيارية تامة ، هكذا جعل اللّه العباد مختارين تمام الاختيار في الإرادة ، لئلا يكون اجبار أو اضطرار إلى هذا النمط من الافعال ، ومن ثمّ صحّ التكليف ، وجازت المؤاخذة ، وحسن المدح والذم .
انتساب الحوادث إلى اللّه :
في كثير من تعابير القرآن الكريم جاءت نسبة الحوادث ، سواء أكانت ذوات علل وعوامل طبيعية ، أم كانت وليدة صنع الانسان وعمله « 1 » .
قال تعالى :
إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ
« 2 » . وقال :
وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ
« 3 » . وقال :
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ
- إلى قوله -
وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ
« 4 » .
وقال تعالى :
جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً
« 5 » . وقال :
وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى
« 6 » . وقال :
هامش
( 1 ) راجع في ذلك : أوائل المقالات للمفيد : ص 86 - 87 .
( 2 ) الحاقة : 11 .
( 3 ) الرحمن : 24 .
( 4 ) النحل : 80 - 81 .
( 5 ) الكهف : 32 .
( 6 ) الاعلى : 4 - 5 .