تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
غير نهاية ، ومن ثمّ أنكر بعض المتفلسفين أن تكون الإرادة بنفسها اختيارية ، وان كانت هي السبب لاختيارية سائر الأفعال الاختيارية « 1 » . وبذلك ربما انتقضت القاعدة المعروفة « فاقد الشيء لا يعطي » ! قلت : كلّ ما بالغير لا بدّ أن ينتهي إلى ما بالذات ، وإلّا لتسلسلت حلقات الحاجة والافتقار . فاختيارية كلّ عمل إنّما هي بمسبوقيته بإرادة الفاعل المختار ، والإرادة هي التي تكسبه وصف الاختيارية . هذا صحيح ، غير أنّ نفس الإرادة توصف بالاختيارية ذاتا ، لا بسبب غير ذاتها . كما أنّ ملوحة الأشياء مكتسبة من الملح ، أمّا ملوحة الملح فذاتية له ، وكذا تنوّر الأشياء بالنور ، وتنوّر النور ذاتي . وهكذا الإرادة بذاتها اختيارية ، وأمّا سائر الأفعال فإنّما تكون اختيارية إذا كانت تحت الاختيار ، وكانت تصدر عن إرادة الفاعل المختار . وأيضا فإنّ معنى اختيارية الأفعال الاختيارية - على ما أسلفنا - أنّها تتحقق بإذن اللّه وإرادته لأن توجد عند إرادة فاعليها واختيارهم الخاص . أمّا نفس الإرادة والاختيار من العباد فإنهم مستقلون فيها عند تحقق مباديها ، من تصور العمل وفائدته والشوق إليها وما إلى ذلك . فالإرادة من العباد انّما تتحقق بتكوين نفسي منهم ، وتنبعث بذاتها من داخل كيانهم وباطن وجودهم بالذات ، وليست معلولة لشيء آخر ، من قبيل جوهر النفس اللااختياري - كما ذهب إليه المحقق الخراساني - أو إرادة الواجب تعالى - كما ذهب إليه مجبرة الفلاسفة - . إذ كل ذلك نقض لأساس الاختيار ورجوع ملتو عن القول باختيارية الأفعال .

إرادة اللّه الحادثة :

تقدّم أنّ الإرادة من صفات الفعل « 2 » ومن ثمّ فهي حادثة وقائمة بمتعلقاتها ،
هامش
( 1 ) راجع : كفاية الأصول - للمحقق الخراساني - بحث الطلب والإرادة : ج 1 ص 100 . ( 2 ) صفحة : 170 - 171 .
التمهيد في علوم القرآن — صفحة 183 | الشيخ محمد هادي معرفة