تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠
إسماعيل ، سلب السكين خاصية القطع ، وسلب حلقوم إسماعيل خاصية الانقطاع ، أي لم يمدهما في هذه الخاصية فلم يأذن لهما في القطع والانقطاع ، فلم يتحقق الذبح . ومثال آخر تمثل به سيدنا الأستاذ - دام ظله - قال : ان الأشياء ( الممكنة بالذات ) كما تفتقر في حدوثها إلى إفاضة المبدأ تعالى ، كذلك في بقائها - الذي هو حدوث في آن ثان - فلا بدّ في بقائها واستمرارها من استمرار إفاضة الوجود عليها من المبدأ تعالى . فلو انقطعت الإفاضة عليها في آن لانعدمت من فورها . بداهة استحالة بقاء الممكن بالذات ( وهو المفتقر في وجوده إلى مبدأ يفيض عليه الوجود حدوثا وبقاء ) بدون تلك الإفاضة المستمرة . نظير وجود النور داخل الزجاجة الكهربائية ، تشع به ما دامت الطاقة الكهربائية تتصل إليها من مركز التوليد عبر الاسلاك ، لا يمكن تحقق هذا الوجود النوري - داخل الزجاجة - حدوثا وبقاء إلّا باستمرار ذلك الاتصال المفاض عليها من المركز ومتى ما انقطعت تلك الإفاضة أو انقطع السلك ، فإنّ النور ينقطع في آنه . وحينئذ لو فرضنا أنّ انسانا وضع يده على زر الكهرباء ، كانت إنارة الزجاجة واقعة تحت اختياره بالمباشرة ، ان شاء ضغط على الزر فتتنور الزجاجة ، وان شاء رفع يده فتنطفي . وصحت نسبة إنارة الغرفة وإظلامها إليه بنفس هذا الاعتبار ، وان كان حظه من ذلك هو نفس القطع والوصل لا أكثر . وهكذا حظ الانسان في إحداث ما يريد من أعمال وايجادها ، فتدبر جيدا « 1 » . وبعد ، فقد تبين - في ضوء ما قدمنا - صحة اسناد حدوث جميع المحدثات إلى اللّه سبحانه ، واطلاق القول بأن لا خالق إلّا اللّه ولا مؤثّر في الوجود إلّا اللّه . إذ ترجع جميع القوى في تأثيراتها إلى امداد فيضه تعالى باستمرار .
هامش
( 1 ) راجع : المحاضرات بقلم محمد إسحاق الفياض : ج 2 ص 91 .