تعالى ، أولى من نسبتها إلى ذلك الانسان الذي لم يكن حظه منها سوى تقارب وتألف بين عدة عوامل قليلة لتتفاعل هي بنفسها مع البعض ، وتستمد من قوى أخرى كثيرة أودعها اللّه في هذا الكون .
قال تعالى :
أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ ، أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ
. وقال :
أَ فَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ ، أَ أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ
. وقال :
أَ فَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ ، أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ . نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ
« 1 » .
وأوضح مثال لذلك هي ظاهرة الولادة ، لم يكن حظ الوالد والوالدة من تكوين الولد ، سوى تلقيح النطفة ، وليس تحققه - أيضا - واقعا تحت اختيارهما الكامل وقدرتهما ، ومع ذلك فإنّ الولد في وجوده منسوب إلى والديه ، في حين أنّ جميع العوامل التي أثرت في اللقاح والانعقاد وقضاء المراحل الجنينية إلى مرحلة التولد ، كانت طبيعة مودعة في ذات الرحم والنطفة بقدرة اللّه ، وبإرادته في أصل التأثير والبقاء على التأثير . قال تعالى :
أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ ، أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ
« 2 » .
والخلاصة : انّ ما يوجد ويتحقق في عالم الوجود ، انّما يوجد بفضل تفاعل القوى المودعة في هذا الكون ، وانّ حظ الانسان من ذلك هو مجرد تقارب ما بين هذه القوى لتتفاعل هي مع بعضها . وبعبارة أوجز : أنّ الانسان إنّما يوجد شرط التفاعل أمّا أصل الايجاد فهو من فعل العوامل والقوى الطبيعية ، وهي بدورها مجعولة ومنتظمة بإرادة اللّه وحوله وقوته أبديا .
وبذلك نستطيع أن ندرك وجه انتساب الأفعال الاختيارية إلى فاعليها ، في حين صحة انتسابها إلى اللّه وإلى القوى الطبيعية التي أودعها اللّه في هذا الكون .
هامش
( 1 ) الواقعة : 63 - 73 .
( 2 ) الواقعة : 58 - 59 .