بقاء حسب الآنات باستمرار .
فكل قوة من القوى الطبيعية إذا أثرت في شيء ، فإنّ هذا التأثير يعود إلى إذنه تعالى ، حيث أمدّها بخاصية ذلك التأثير في نفس الوقت ولولاه لما أمكنها التأثير اطلاقا . قال تعالى - بشأن تأثير سحر السحرة - :
وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ
« 1 » . حيث الساحر يسخر خواص الأشياء في سحره ، لكن هذه الخواص مما أودعها اللّه في ذوات الأشياء ، إن لم يشأ لم يمدّها فينقطع أثرها ، غير أنّ سنته تعالى جرت في امداد القوى وان كانت مستخدمة في تأثير الفساد في الأرض . وهكذا قوله تعالى :
وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ
« 2 » . وقوله :
كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها
« 3 » .
حتى أنّه تعالى ليضيف فعل العباد إلى إذنه
وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي
« 4 » حيث خاصية تشكل الطين وتماسك أجزاءه ، مما أودعها اللّه في الطين ولم يزل يمده بهذه الخاصية أبديا ولم يكن من عيسى ( عليه السلام ) سوى جعل أجزاء الطين على بعضها في نسبة معينة ، أمّا نفس التماسك فكان بفعل اللّه ، كما أنّ نفس عمل عيسى - أيضا - كان باقداره تعالى وافاضته القدرة عليه آنذاك ، ومن ثمّ كان جميع ما وقع إنّما وقع بإذن اللّه .
وأقرب ما يمثل هذه القاعدة في مثل المقام ، إنّك إذا عرضت يدك للنار ، فإنّها تحترق . ولكن هذا الاحتراق لا يكون إلّا بإذن اللّه ، فاللّه هو الذي أودع النار خاصية الحرق ، ولا يزال يمدها بتلك الخاصية ، كما أودع يدك خاصية الاحتراق بالنار . ولا يزال يمدها بتلك الخاصية ، وهو قادر على أن يوقف تلك الخاصية حين لا يمدها ولا يأذن ، لحكمة خاصة يريدها ، كما فعل في قصة ذبح
هامش
( 1 ) البقرة : 102 .
( 2 ) الأعراف : 58 .
( 3 ) إبراهيم : 24 - 25 .
( 4 ) المائدة : 110 .