أمّا وجه انتسابها إلى العباد ، فلأنّهم هم أوجدوا شرائط وجودها باختيارهم وقصدهم الخاص ، ولولا ذلك لما وجدت . فإنّ الزارع إنّما عمد إلى الحرث والزرع بمحاولته الخاصة للحصول على الثمرة . فقد تصور الفائدة أوّلا واشتاقتها نفسه ، فعمد - باختياره وإرادته الخاصة - إلى ترتيب المقدمات المنتجة لما كان يتوخاه .
وهذا دليل اختياره العمل .
ومن ثمّ تقع تبعات كلّ عمل اختياري على عاتق العامل ، ويكون هو المسؤول عنها مدحا أو ذما ، مثوبة أو عقوبة . حتى في مثل الايلاد ، لولا أنّه واقع امرأته لما حصل الولد ، ويكون حصول الولد منتسبا إليه بالذات .
فلو فرضنا أنّ عملا خارجيا يوصف بالقبح أو الحسن ، فإنّ المسؤول عن ذلك هو العامل ، ولا يمكنه الاعتذار بأنّ أكثر القوى العاملة في تكوينه كانت خارجة عن اختياره ، حيث كانت تلك القوى بأنفسها معدات ومقتضيات ، أمّا الذي وافق بينها وأوجد شرط تفاعلها مع البعض ، فهو هذا العامل الذي عمد باختياره إلى ايجاد شرط الوجود .
وأمّا وجه انتسابها إلى اللّه تعالى ، فمن جهة أنّ القوى العاملة في تكوين الأشياء ، كلّها مخلوقة ومقدرة بقدرة اللّه ، وهو الذي أكسبها تلك الخاصيات بحيث إذا تقاربت مع بعضها تفاعلت في الايجاد والتكوين وهو تعالى لا يزال يمدّها بتلك الخاصيات وفق ما منحها أوّلا ، فهو تعالى كما أفاض عليها حدوثا ، هو يمدها بالإفاضة بقاء ، فلا تزال تلك القوى تستمد - في تأثيراتها المتواصلة طول وجودها - من فيوضه تعالى المتواصلة ، سنة اللّه التي جرت في الخلق .
وهذا هو الذي يعبر عنه ب « إذن اللّه » في لسان الشريعة المقدسة . فلولا أنّه تعالى يمد القوى في تأثيراتها آنا فآنا ، لما أمكنها التأثير شيئا أصلا .
وليس معنى ايداعه تعالى الخاصية في شيء : أنّه أودعها فيه وتركها تعمل بذاتها وتؤثر بنفسها فيما بعد إن هذا إلّا التفويض الذي يتحاشاه مذهب أهل الحق . بل كما أودعها اللّه حدوثا ، فهو تعالى لا يزال يمدها بتلك الخاصية والتأثير
التمهيد في علوم القرآن — صفحة 178
مساهمون: الشيخ محمد هادي معرفة
ص١٧٨