تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
إرادته تعالى ، فلا يحدث أمر ولا يوجد شيء إلّا باذن اللّه ، لكن إرادته تعالى قد تعلقت بأن توجد الأشياء وفق قوانين كلية ركبها في طبيعة الموجودات ، فهي تتفاعل مع بعضها ، إمّا بنفسها كما في الأمور الطبيعية - حسب تعبيرنا - مثل دورة الماء في الطبيعة ، تبخيرا وتكاثفا وتقاطرا وخزنا ثمّ جريا وأخيرا عودا إلى البحر . وفق نظام رتيب لا يتخلف عبر الدهور ، وإمّا بعلاج كيمياوي أو فيزيائي تزاولها يد بشرية حسب مآربه في الحياة . كلّ ذلك واقع تحت قوانين عامة في سلسلة من العلل والمعلولات « قانون العليّة العامّة » . مثلا إذا بذر الإنسان حبة في الأرض الصالحة ، واهتمّ بشأنها من تسميد وسقي ودفع آفات ، فإنّها تنبت ، لكن بفضل تفاعلها مع أملاح الأرض وغيرها من مواد كامنة في التراب والماء وما يصل إليها من شعاع الشمس وهبوب الرياح وما إلى ذلك ، فإذا ما اجتمعت الأسباب المؤاتية لنبات الزرع ونمائه ، حصل الزارع على نتيجة ، لم تكن هي وليدة يده فحسب ، وانما ساعده على ذلك عوامل طبيعية كثيرة لا تحصى ، كان لها القسط الأوفر ، بل علة العلل لهذا الأثمار والانتاج . ومع ذلك فانا ننسب الزرع إليه ، فنقول : هو الذي بذر الحبة وزرع النبتة وغرس الشجرة وأثمرها ، ونطلق عليه اسم الزارع والفلاح اطلاقا حقيقيا ، من غير عناية مجاز أو استعارة . في حين أنّا لو دققنا النظر لوجدنا الفضل الأكبر بل كلّ الفضل يعود إلى عوامل اخر كانت هي المؤثرة لهذا الأثر والمنتجة لهذه النتيجة . وعليه فبما أنّ هذه العوامل - التي نعبر عنها بعوامل طبيعية - ليست سوى قوانين كلية ركبها اللّه في ذوات الأشياء ، فإذا ما تفاعلت مع بعضها أنتجت تلكم النتائج العظام ، فهي في ذات وجودها وفي بقاءها على التأثير رهن قدرته وإرادته تعالى ، ومن ثمّ فان نسبة الانبات والزرع والأثمار وما شاكل إليه