ثمّ
شرح ( عليه السلام ) الثانية بقوله : « ينهى وهو يشاء »
أي يشاء أن يقع وان كان نهى عنه - في الظاهر - أن لا يقع . فنهيه نهي تشريع ، أمّا اشاءته فإشاءة تكوين ، وقد مثل له الإمام ( عليه السلام ) بنهي آدم عن أكل الشجرة ، وقد كانت المصلحة تستدعي الأكل منها ، حيث خلق آدم ليعيش على الأرض ويكون خليفة اللّه فيها . فتخلفت إرادته التشريعية عن إرادته التكوينية .
ثمّ
قال ( عليه السلام ) : « ويأمر وهو لا يشاء »
ومثل بأمره تعالى إبراهيم بذبح ابنه إسماعيل ( عليهما السلام ) حيث تخلف التشريع عن التكوين « 1 » .
وعلى هذا الضوء من البيان الوارد عن أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) نستطيع دفع الشبهة عن كثير من آي القرآن ، مثل قوله تعالى :
وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ
« 2 » . وقوله :
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً
« 3 » .
وأمثالهما من الآيات وهي كثيرة جدا . والمشاءة فيها هي التكوينية ، أي لو أراد ربك أن يجعل الناس كلهم مؤمنين بإرادته التكوينية لفعل ، ولما تخلفت إرادته عن المراد ، كما في قوله تعالى :
فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ
« 4 » .
لكنه تعالى لم يشأ الإيمان إلّا عن اختيارهم لغرض الاختبار ، حيث لا تمييز مع الإلجاء .
وبذلك يرتفع ايهام التناقض بين أمثال هذه الآيات ، وآيات آخر جاء فيها : انّه تعالى هدى الناس جميعا ، ولا يرى لعباده الكفر ، حيث هذه الطائفة من الآيات تعني مشيئته تعالى التشريعية ، أمرا ونهيا ، بعثا وزجرا ، في هداية شاملة وارشاد عام . قال تعالى :
هامش
( 1 ) راجع : بحار الأنوار : ج 4 ص 139 . ومرآة العقول : ج 2 ص 161 . والكافي الشريف : ج 1 ص 151 باب المشيئة والإرادة .
( 2 ) النحل : 9 .
( 3 ) يونس : 99 .
( 4 ) فصلت : 11 .