قال : « المشيئة من صفات الأفعال فمن زعم أن اللّه لم يزل مريدا شائيا فليس بموحد » « 1 » .
ولعل ما في ذيل الحديث تعريض بمذهب أهل الصفات ( الأشاعرة ) حيث زعموا من الإرادة صفة ذاتية قائمة به تعالى ، زائدة على ذاته المقدسة ، فلزمهم القول بتعدد القديم تعالى عن ذلك « 2 » . أمّا من ذهب من متكلمي الإمامية إلى أنّ الإرادة صفة ذات ، فلم يعتبرها زائدة على ذاته المقدسة ، بل اعتبرها عين ذاته تعالى كما في سائر الصفات الذاتية من العلم والقدرة والحياة ، ومن ثمّ لا يشملهم الحديث .
وأمّا الإرادة التشريعية فهي عبارة عن أمره تعالى ونهيه ، بعثا وزجرا للعباد ، فيما يعود عليهم من مصالح ومفاسد كامنة وراء التكاليف .
وهذه الإرادة قد تتخلف عن المراد ، حيث يعصى العباد ويخالفون أمره تعالى ، ولا محذور في ذلك بعد أن كانت دار التكليف دار اختيار ، حيث لا موقع للتكليف لولا اختيار المكلفين في الإطاعة والعصيان ، وأنّ مصلحة التكليف هي التي تستدعي اختيار العباد في الامتثال والترك تمهيدا لاختبارهم في هذه الحياة ، « ليميز اللّه الخبيث من الطيب » « 3 » .
ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ
« 4 » .
والتفكيك بين الإرادتين شيء معروف في روايات أهل البيت ( عليهم السلام ) منها :
ما رواه الصدوق باسناده عن الإمام علي بن موسى الرضا ( عليه السلام ) قال : « ان للّه إرادتين ومشيئتين ، إرادة حتم ، وإرادة عزم » .
هامش
( 1 ) كتاب التوحيد للصدوق : ص 93 باب صفات الأفعال . وراجع : بحار الأنوار : ج 57 ص 37 .
( 2 ) راجع : تجريد الاعتقاد بشرح العلامة الحلّي : ص 159 . وأوائل المقالات للشيخ المفيد : ص 19 .
( 3 ) الأنفال : 37 .
( 4 ) آل عمران : 179 .