تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
تحت قدمه ، وليس المراد حقيقة القدم ، والعرب تستعمل ألفاظ الأعضاء في ضرب الأمثال ولا تريد أعيانها ، كقولهم : « رغم أنفه » و « سقط في يده » ونحو ذلك « 1 » وذكر تأويلات آخر لا بأس ببعضها ، فراجع . وأمّا ما ذكره الأشعري من وجوب الوقوف عند ظاهر اللفظ حتى يقوم دليل على خلافه ، فحق . لولا ما يبدو عليه من التواء في الكلام ، إذ حجية ظواهر الكلام مما ثبتت في الأصول ، وهو أصل من أصول العقلائية ، وعليه بنيت مجاري الإفادات والاستفادات لدى أهل المحاورة من جميع الأعراف العامة والخاصة . لكن هذا فيما لم يقم دليل من عقل أو نقل قطعي يصلح قرينة صارفة لظاهر الكلام ، وعند ذلك تكون القرينة هي الحجة القاطعة دون أصل وضع الكلمة اللغوي . هذا صحيح ، غير أنّ أمثال الأشعري إنّما تفوهوا بهذا الكلام تمويها وتدليسا على العوامّ ، إذ لم يتعرض أهل العدل والتنزيه لتأويل كلّ ظاهر من الكلام ، سوى ما قام دليل قاطع على إرادة خلاف ظاهره من عقل رشيد أو محكم في الكتاب والسنة . وقد تقدم الفارق بين الأشاعرة الذين يؤوّلون المحكم على حساب المتشابه كتأويل الأشعري « لا تدركه الأبصار » على حساب التحفظ على ظاهر « إلى ربّها ناظرة » وأهل العدل الذين يؤوّلون المتشابه على حساب المحكم ، وكم بين الطريقتين من فرق واضح ، وكم ابتعدت الأشاعرة عن منهج الاستقامة في استنباط المفاهيم الاسلامية العريقة ، لان الابتعاد عن منهج العقل ابتعاد عن صميم الاسلام ، فضلا عن استدعاء منهج الأشعري تشويها لمبادئ الاسلام وأصوله الضافية ، وذلك حط من كرامة هذا الدين وتحريف بمواضع الكلم ، وذنب لا يغفر .
هامش
( 1 ) فتح الباري : ج 8 ص 457 . وراجع : مشكل الحديث لابن فورك : ص 44 .