تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
إلى اللّه - كما كان من ذي قبل - فالاتجاه إلى الكعبة اتجاه إلى غيره تعالى . وان كان الاتجاه إليه هو الاتجاه إلى الكعبة ، فالاتجاه السابق كان إلى غيره تعالى هذا هو الاعتراض الذي وجهه اليهود إلى المسلمين .
سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها
« 1 » . فجاءت الآية الكريمة ردا حاسما على هذا الاعتراض ، انّه تعالى لم ينحصر في جهة أو مكان ،
قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ
« 1 » .
وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ
« 3 » . أي أنّ الجهات كلها للّه وتحت ملكه ، لا يختصّ به مكان دون مكان ، وإنّا كانت النسبة إليه تشريفية محضة ، فإن كان اللّه أمركم بالاتجاه إلى البيت المقدس ، لم يكن ذلك لسبب غير التشريف والاعتبار ، لا لأنّه مكانه الخاص أو أنّه تعالى حالّ فيه جل شأنه . فهكذا اقتضت المصلحة تحويل هذا الاتجاه العبادي إلى الكعبة وهو بيت اللّه العتيق ، له نسبة تشريفية قديمة اليه تعالى ، لا لشيء آخر سواه .
وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ ، وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ
« 4 » . فقوله : « فثمّ وجه اللّه » يعني : أينما اتجهتم في عباداتكم فثمّ اتجاه إلى اللّه تعالى ، لأنّه هو المقصود بالعبادة الخالصة لوجهه الكريم . وإنّما جاء الأمر باتجاه خاص ، لمصلحة في ذلك ، ربما كانت وحدة الاتجاه العبادي لجميع المسلمين في عامة عباداتهم ، الأمر الذي كان يشد من وحدتهم في سائر الأمور . وقال تعالى :
إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً
« 5 » ، أي لقصده ، وان ليس المقصود من هذا الاحسان سوى التقرب والزلفى لديه تعالى ، فهو المقصود بالذات لا المكافئة ولا الثناء . وهكذا قوله :
هامش
( 1 ) البقرة : 142 . ( 3 ) البقرة : 115 . ( 4 ) البقرة : 143 . ( 5 ) الانسان : 9 .