وهكذا التعبير بالنزول من عنده والصعود إليه وما أشبه . لا إرادة التحديد والجهة الماديين ، بل الاعتباريين بالنظر إلى ما بين العالمين من تباين وفرق ، ذاك إلى ذروة العلى والشرف والغنى وهذا إلى حضيض الخسة والذل والافتقار .
قال تعالى :
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ ، وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ
« 1 » . أي ننزله إلى عالم المادة تنزيلا بالاعتبار . حتّى إذا ما نبت زرع أو استخرج معدن من تحت الأرض أو اصطيد سمك من جوف الماء ، قلنا أنّه من بركات اللّه النازل علينا أهل الأرض .
وعلى ضوء هذا البيان يبدو أن لا غموض على وجه الآيات التي تمسك بها الأشعري وأتباعه ، ممّا لا دلالة لها على مقصودهم لو دققنا فيها الانظار .
وإليك الإجابة الوافية على كلّ واحدة من الآيات حسب الأرقام المتقدمة :
1 - أمّا قوله :
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
« 2 » ، فقد تقدّم أنّ العرش هو عرش التدبير كناية ، والاستواء هو الاستيلاء التامّ والتمكن الكامل من الإحاطة بشؤون التدبير .
2 - وقوله :
إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ
« 3 » ، فإنّه صعود ورفع معنوي ، لا حسيّ ، أي الأعمال الحسنة ترتفع من هذا العالم المادي ، لتنقلب درجات في عالم آخر لا مادي هو فوق هذا العالم شأنا ورفعة .
3 - وقوله :
بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ
« 4 » يعني الرفع المعنوي ، وتخليصه من شرور هذه الحياة السفلى الكدرة ، إلى حياة عليا كريمة ، كما جاء في سورة آل عمران :
55
وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا
. وكقوله تعالى :
ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ
« 5 » . وقوله في شأن إدريس ( عليه السلام ) :
هامش
( 1 ) الحجر : 21 .
( 2 ) طه : 5 .
( 3 ) فاطر : 10 .
( 4 ) النساء : 158 .
( 5 ) آل عمران : 55 .