انّه تعالى كان ولامكان ، لا خلاء ، ولا ملاء ، فلم يكن فوق ولا تحت ولا جهة من الجهات ، إذ لا موجود سواه تعالى . ولما خلق اللّه هذا الكون ذا الجهات الست ، انتزعت له تعالى صفة الخالقية والإبداع وتكوين الأكوان ، ولا شك أنّه تعالى قبل أن يخلق الكون لم يكن في كون ، وهكذا بعد ما خلق الكون لم يحل في كون ، فلم يزل كائنا لا في كون . ولم يزل موجودا لا في جهة ، كما كان قبل أن يكوّن الكون ويوجّه الجهات .
وبعد فنسبة ذاته المقدسة إلى الأكوان والجهات نسبة الترفع والتعالى عنها ، لأنّها محدثات ، ولا تناسب بين الحادث الممكن بالذات والأزلي الواجب بالذات . انّه تعالى فوق كلّ شيء ومتعال عنها ، لأنّه أوجدها وأحدثها ، والمخلوق تحت الخالق والصانع فوق المصنوع ، تحتية لا بالجهة وفوقية لا بالجهة ، بل بالاعتبار والسببية المنتزعة ممّا بينهما من نسبة قائمة .
وهذا إذا ما لاحظنا من تباين ما بين عالم المادة وعالم ما وراء المادة ، وبما أنّنا عائشون في وسط من العالم المادي ، فإذا أردنا الإشارة إلى العالم الآخر غير المادي ، أشرنا - طبعا - إلى خارج عالمنا هذا ، وهذه الإشارة تقع إلى جهة « فوق » لا بما أنّه « فوق » ، بل باعتبار أنّ كل خارج عن هذا العالم المادي - في المحسوس - فوق من كلّ الجهات ، حيث الواقف في مركز كرة إذا أراد الإشارة إلى خارجها ، لا بدّ ان يشير إلى خارج سطح الكرة ، الذي هو فوق بالنسبة إليه من كلّ الجهات .
وهكذا بالنسبة الينا ونحن عائشون على الأرض إذا أردنا الإشارة إلى خارج عالمنا هذا ، إشارة بالحس ، لا بدّ أن تقع إشارتنا إلى خارج هذا المحيط ، وهو فوق في جميع جوانب هذه الأرض .
وعليه فإذا ما اعتبرنا أنّ تدابير هذا العالم المادي في جميع أرجائه ، تنحدر من عالم ما وراء المادة من عند ربنا العزيز الحكيم ، صحّ إطلاق القوق عليه تعالى ،
التمهيد في علوم القرآن — صفحة 127
مساهمون: الشيخ محمد هادي معرفة
ص١٢٧