قد استوى بشر على العراق * من غير سيف ودم مهراق « 1 »
وجاء بمعنى استقامة الأمر أيضا ، كما قال الطرماح بن حكيم :
طال على رسم مهدد أبده * وعفا واستوى به بلده « 2 »
وهكذا جاء بمعنى عمد وقصد ، كقوله تعالى :
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ
« 3 » .
وكلما جاء ذكر « الاستواء على العرش » في القرآن ، انما يعنى الاستيلاء التامّ بتدبير شؤون العالم ، بعد أن كان « العرش » كناية عن مجموع الخلق ، كما جاء في تعبير الصدوق ( عليه الرحمة ) « 4 » .
الفوقية :
وأمّا الآيات التي جاء فيها ذكر العلوّ والفوقية له تعالى « 5 » . أو أنّه في السماء « 6 » أو أنّه يدبّر الأمر من السماء « 7 » . أو تعرج إليه الروح « 8 » . أو تنزل الملائكة من عنده « 9 » وأمثال ذلك ، فهذه الفوقية والعلو لا تعني الجهة التي هي احدى الجهات الست التي تحدد بها الأجسام ، من فوق وتحت ويمين ويسار وخلف وأمام . إذ بعد ما انتفت الجسمية عن ذاته المقدسة ، لم يبق مجال لتصوير الجهة له تعالى اطلاقا . وأمّا هذه التعابير الواردة في الآيات ، فإنّ لها تأويلات حكميّة دقيقة ، أوضحها علماء الكلام ، وجاء بعض تفاصيلها في رسالة كتبها أبو العباس أحمد بن إبراهيم الواسطي ، المعروف بابن شيخ الحزاميين ( 657 - 711 ه ) « 10 » . ونحن نذكر منها ما يجيب على غالبية الأسئلة الموجهة بهذا الصدد :
هامش
( 1 ) البداية والنهاية لابن كثير : ج 9 ص 7 .
( 2 ) جامع البيان للطبري : ج 1 ص 150 .
( 3 ) البقرة : 29 .
( 4 ) راجع : بحار الأنوار : ج 58 ص 7 .
( 5 ) تقدمت في كلام الأشعري برقم : 2 و 3 و 5 و 7 .
( 6 ) تقدم برقم : 6أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ.
( 7 ) تقدم برقم : 4يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ.
( 8 ) تقدم برقم : 8تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ.
( 9 ) تقدم في كلام الدارمي برقم : 31 - 40 .
( 10 ) نشرت ضمن مجموعة « اربح البضاعة » بمكة المكرمة : 1393 ه ص 39 - 55 .