عليه ، كما يقال دهري - بالضم - نسبة إلى الدهر . ومن ثمّ اطلق على العلماء « الكراسي » لأنّهم عماد الأمة ومرجعها فيما ينوب . وقد أنشد قطرب :
تحف بها بيض الوجوه وعصبة * كراسي بالأحداث حين تنوب
أراد بهم علماء خبراء بحوادث الأمور ونوازلها . وقد قيل : خير الحيوان الأناسي ، وخير الأناسي الكراسي ، أي العلماء العقلاء العارفون بشؤون التدبير « 1 » .
قال تعالى :
وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما
« 2 » أي وسع ملكه أرجاء عالم الوجود من غير أن يعجز عن إدارة شؤونه بما يدوم مزدهرا مع الأبدية . فهذا التعبير ( لا يؤده ) يدلّنا بوضوح على إرادة الملك من « وسع كرسيه » بالذات ، ومن عبر عن الكرسي بالعلم - كابن عباس ومجاهد وغيرهما - أراد نفس المعنى ، إذ ملكه تعالى منبعث عن علمه المحيط المعبر عنه بالعرش أيضا ، حيث التدبير الحكيم يستدعي الإحاطة والعلم بمزايا الأمور .
قال تعالى :
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ
« 3 » . وقال :
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ ، أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ
« 4 » .
انظر إلى الآية الأولى كيف رتبت التدبير على قوله : « استوى على العرش » ليكون المعنى : استوى على عرش التدبير ، وتوضحه الآية التالية « ألا له الخلق والأمر » فالخلق هو ما عبر أولا من خلق السماوات والأرض ، والأمر هو إقامة شئونهن وحفظهن عن الفساد والاختلال .
وهكذا جاء التعبير في سورة الرعد : 2
ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ . . .
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ
.
هامش
( 1 ) راجع : معجم مقاييس اللغة ، وأساس البلاغة .
( 2 ) البقرة : 255 .
( 3 ) يونس : 3 .
( 4 ) الأعراف : 54 .