وقال الإمام أبو إبراهيم موسى بن جعفر ( عليهما السلام ) وقد ذكر عنده أنّ قوما يزعمون أنّ اللّه تبارك وتعالى ينزل إلى السماء الدنيا ! - : « إنّ اللّه لا ينزل ، ولا يحتاج إلى أن ينزل .
إنّما منظره ( أي علمه المحيط ) في القرب والبعد سواء ، لم يبعد منه قريب ، ولم يقرب منه بعيد ، ولم يحتج إلى شيء ، بل يحتاج إليه كلّ شيء ، وهو ذو الطول لا إله إلّا هو العزيز الحكيم . أمّا قول الواصفين : انّه ينزل ( تبارك وتعالى ) فإنّما يقول ذلك من ينسبه إلى نقص وزيادة . وكلّ متحرك محتاج إلى من يحرّكه أو يتحرّك به ، فمن ظنّ باللّه الظنون هلك ، فاحذروا في صفاته من أن تقفوا له على حد تحدونه بنقص أو زيادة ، أو تحريك أو تحرّك ، أو زوال أو استنزال ، أو نهوض أو قعود ، فان اللّه جلّ وعزّ عن صفة الواصفين ، ونعت الناعتين ، وتوهم المتوهمين » « 1 » .
هكذا جاء تنزيهه تعالى عن مشابهة المخلوقين ، في كلام الأئمة ومحققي العلماء ، وحتى من متأخري الأشاعرة ممّن أوّل كلام أوائلهم ، ما عدا أصحاب الحشو منهم فجروا على سلفيتهم القديمة حتى هذا العهد ، ولنتعرض لتفنيد ما زعمته المشبهة أدلّة على ثبوت الجهة له تعالى .
قال تعالى :
وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ، فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ، إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ
« 2 » . هذه الآية من المحكمات ، دلّت على أنّه تعالى ليس بجسم . ولا هو محدود بجهة دون أخرى ،
وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً
« 3 » .
قال الإمام الرازي - في الآية الأولى - : « الآية من أقوى الدلائل على نفي التجسيم واثبات التنزيه ، لأنّه تعالى خالق الجهات ، والخالق متقدم على المخلوق لا محالة ، فقد كان الباري تعالى خلق العالم منزها عن الجهات والاحياز ، فوجب أن يبقى بعد خلق العالم كذلك . وأيضا ، فانّه لو كان جسما وله وجه
هامش
( 1 ) المصدر 125 رقم : 1 .
( 2 ) البقرة : 115 .
( 3 ) النساء : 126 .