واحد أم هما شيئان ؟ ذهب أهل الحشو من أصحاب الحديث إلى أنّ العرش هو سرير ملكه تعالى متربع عليه ، والكرسي دكة أو مصطبة دون العرش ، يكون موضع قدميه تعالى ، وهو يئط « 1 » من ثقله تعالى أطيط الرحل الحديد . ورووا في ذلك أحاديث اعتمدوا ظواهرها من غير تعمق أو تحقيق « 2 » .
أمّا أهل النظر والتمحيص فقد شطبوا على هكذا روايات هي مخالفة لضرورة العقل ومحكم الشريعة . وفسروا العرش والكرسي بالعلم والقدرة ، لمناسبة جلية من نفس الآيات ، وشواهد من اللغة والآثار « 3 » .
والذي نستخلصه من مفاد الآيات والروايات الصحيحة : أنّ العرش والكرسي تعبيران عن معنى واحد ، هو : جليل قدرته تعالى وسعة علمه المحيط بكلّ شيء . غير أنّ « الكرسي » جاء تعبيرا عن « ملكه » تعالى بالذات ، و « العرش » تعبيرا عن جانب « تدبيره » لشؤون الخلق كله . فالكرسي كرسي الملك ، والعرش عرش التدبير . وكلاهما يشفّان عن سعة علمه وعظيم قدرته تعالى ، حيث القدرة الشاملة والعلم المحيط يستدعيان ملكا يسع السماوات والأرض ، وتدبيرا شاملا لعالم الوجود أجمع .
قال ابن فارس : الكرسي أصل عربي يدل على تلبّد شيء فوق شيء وتجمّعه ومنه اشتقت الكرّاسة اسما لمجموع أوراق يكتب فيها بعضها على بعض .
والكرسي أصل البناء أيضا ، لضخامته . قال الزمخشري : يقال هو طيب الكرسي أي الأصل « 4 » . والكرسي منسوب إلى كرس الملك ، وهو ما يعتمد
هامش
( 1 ) أط أطيطا أي صوت .
( 2 ) راجع بالخصوص : تفسير ابن كثير - ذيل آية الكرسي : ج 1 ص 309 - 310 .
( 3 ) راجع بالخصوص : تفسير الطبري هنا « جامع البيان » : ج 3 ص 8 وسننقل بعض كلامه في آخر الفصل .
( 4 ) كما قال العجاج :ان أبا العباس أولى نفس * بمعدن الملك الكريم الكرس