باستوائه على العرش كايمان المصلين به ، لقلنا لكم : ليس نزوله من سماء إلى سماء بأشد عليه من ذلك فكما قدر على الأولى قدر على الأخرى كيف يشاء « 1 » .
46 - واستدل ابن خزيمة بأن فطرة المسلمين علمائهم وجهالهم ، أحرارهم ومماليكهم ، ذكرانهم وأناثيهم ، بالغيهم وأطفالهم ، كل من دعا اللّه جلّ وعلا ، فإنّما يرفع رأسه إلى السماء ، ويمد يده إلى اللّه إلى أعلاه لا إلى أسفل . وزاد المعلق ( محمد خليل هراس ) في هامش الكتاب : انّ التوجه إلى السماء في الدعاء ، ليس فطرة في المسلمين وحدهم ، بل هو فطرة عامة في سائر الناس ، بل إنّ الحيوانات نفسها لترفع رأسها إلى السماء زمان الجدب ، كأنّها تستمطر ربها ، ولا يجحد هذه الفطرة إلّا معطل قد فسدت فطرته « 2 » . وهكذا استدل أبو الحسن الأشعري .
هذا جل ما تشبث به القوم في هذا المجال ، فانتظر للإجابة على جميع ذلك واحدة واحدة تباعا حسب الأرقام .
وللأشاعرة ومن لف لفهم - هنا - كلام سيّئ ، زعموه نقضا على أهل التنزيه . قال أبو الحسن الأشعري : زعمت المعتزلة أن اللّه في كلّ مكان ، فلزمهم أنّه في بطن مريم ، وفي الحشوش ، وفي الأخلية ، وهذا خلاف الدين ، تعالى اللّه عن قولهم ! « 3 » وقال أبو سعيد : فما الذي دعا الملك القدوس ، إذ هو على عرشه في عزه وبهائه ، أن يصير في الأمكنة القذرة وأجواف الناس والطير والبهائم ، ويصير بزعمكم - خطاب إلى أهل التنزيه - في كلّ زاوية وحجرة ومكان منه شيء ؟ ! « 4 » .
والحشوش : الكنف ومواضع قضاء الحاجة ، الواحد : حش ، وأصله من الحش : البستان ، لأنّهم كانوا كثيرا ما يتغوطون في البساتين . قال ابن الأثير .
هامش
( 1 ) نفس المصدر : ص 27 - 29 .
( 2 ) كتاب التوحيد والصفات : ص 110 . وراجع : الإبانة : ص 35 - 36 .
( 3 ) الإبانة : ص 36 .
( 4 ) الرد على الجهمية : ص 14 .