تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن — صفحة 40

مساهمون:

ص٤٠
لم تغبر قدماه في طلب العلم ، وكان إذا اتاه رجل للقراءة عليه يسأله : هل قرأت على ابن مجاهد ، فان قال : نعم ، لم يقرئه . فلئن كان ابن مجاهد يعتز بمنصبه الرسمي ، فقد كان ابن شنبوذ يعتز بمقام علمه وسعة اطلاعه . وكان يؤنب صاحبه بلا هوادة . وكان ابن شنبوذ يقرأ بالمشهور والشاذ ، وكان يرى جواز الصلاة بما جاء في مصحف أبى ، ومصحف ابن مسعود ، وبما صح في الأحاديث ، مع أن الاختلاف في جوازه كان معروفا بين الفقهاء قديما وحديثا - وكان يتعاطى ذلك جهارا . وكانت نقطة ضعف اخذها عليه ابن مجاهد ، فرفع امره إلى السلطان ، وعقد له - كما عقد لابن مقسم - مجلس بأمر رسمي من شيخ القراء ابن مجاهد ، وكان ذلك في سنة 323 . قال الداني : حدث أبو القاسم بن زنجي الكاتب الأنباري ، قال : حضرت مجلس الوزير أبى علي بن مقلة ، وزير الراضي باللّه العباسي . وقد احضر ابن شنبوذ وجرت معه مناظرات في حروف ، شهد عليه الشهود أنه يقرأ بها ، وهي شواذ ، فاعترف منها بما عمل به ، بمحضر من الشاهدين : محمد بن موسى الهاشمي ، وأبى أيوب محمد بن أحمد ، وهما يومئذ شاهدان مقبولان ، وكان القاضي عمر بن محمد بن يوسف وكان قد حضر المجلس ابن مجاهد وجماعة من القراء . فاغلظ ابن شنبوذ للوزير في الخطاب ، وللقاضي ، ولابن مجاهد ، ونسبهم إلى قلة المعرفة ، وانهم لم يرحلوا في طلب العلم كما رحل . فأمر الوزير بضربه سبع درر ، وهو يدعو على الوزير ، بان يقطع اللّه يده ، ويشتت شمله ، واستتابوه قهرا عليه . وكتب نسخة المحضر ابن مجاهد بيده . وفي آخرها : « اعترف ابن شنبوذ بما في هذه الرقعة بحضرتي ، وكتب ابن مجاهد بيده ، يوم السبت ، لست خلون من ربيع الآخر ، سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة » . وقد استجيب دعاؤه على الوزير ، وقطعت يده وذاق الذل . ولما يمض على هذه الحادثة سنة كما توفى ابن مجاهد في نفس