وقد حاول بعض القدامى من أهل الحديث « 1 » ، وهكذا لفيف من المحدثين غير المحققين « 2 » اثبات هذا النوع من النسخ في القرآن ، بحجة مجيئه في حديث صحيح الاسناد إلى عائشة ، قالت : كان فيما انزل من القرآن : « عشر رضعات معلومات يحرمن » ثم نسخن بخمس معلومات . قالت : وتوفى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وهن فيما يقرأ من القرآن « 3 » .
قلت : هذا شئ غريب ، كيف يلتزم به من لا يرى التحريف في القرآن ! إذ يرجع اثبات هذا النوع من النسخ إلى القول بالتحريف ، بان تكون آية ذات حكم تشريعي ، وكانت تتلى حتى وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ثم نسيت ، وليس ذلك سوى اسقاط آية بعد وفاته صلّى اللّه عليه وآله ، الامر الذي تنكره جماعة المسلمين اطلاقا .
والغريب ان الشيخ الزرقاني حاول اثباته باجماع القائلين بالنسخ من المسلمين بدليل وقوعه سمعا « 4 » .
غير أن المحققين من العلماء ابطلوا هذا النوع من النسخ رأسا ، وحاول بعضهم تأويل الحديث ، بينما الآخرون ضربوا به عرض الجدار ، لأنه حديث واحد يرجع إلى التلاعب بالقرآن الكريم .
قال الامام الزركشي : وقد تكلموا في قولها : « وهن مما يقرأ » فان ظاهره بقاء التلاوة ، وليس كذلك . فمنهم من أجاب بأن المراد قارب الوفاة . والأظهر ان التلاوة نسخت أيضا ولم يبلغ ذلك كل الناس الا بعد وفاته صلّى اللّه عليه وآله فتوفى وبعض الناس يقرؤها .
قال : وحكى القاضي أبو بكر في « الانتصار » عن قوم انكار هذا
هامش
( 1 ) راجع الاتقان : جلال الدين السيوطي ، ج 3 ص 63 .
( 2 ) راجع : مناهل العرفان عبد العظيم الزرقاني ، ج 2 ص 214 .
( 3 ) راجع : صحيح مسلم ج 4 ص 167 . وسنن الترمذي ج 3 ص 456 .
( 4 ) المناهل ج 2 ص 214 .