وهكذا الإباحة الأصلية ترتفع بحدوث التشريع من غير أن يكون ذلك نسخا ، حيث تلك الإباحة لم تكن بتشريع ، وانما كانت بحكم العقل الفطري ( البراءة العقلية ) موضوعها : عدم التشريع فترتفع بالتشريع .
فقوله :
فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ
« 1 » لا يصلح ناسخا لقوله :
وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ
« 2 » لأن جواز القعود قبل نزول آية النساء لم يكن مستفادا من آية الانعام ، بل كان وفق الإباحة الأصلية ، ونزلت آية الانعام دفعا لتوهم الحظر ، حيث كان النهى خاصا بالنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فتوهم المسلمون شموله للمؤمنين أيضا « 3 » .
خامسا : التحفظ على نفس الموضوع ، إذ عندما يتبدل موضوع حكم إلى غيره ، فان الحكم يتغير لا محالة ، حيث الحكم قيد موضوعه .
وليس هذا نسخا . فمثل قوله تعالى :
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا . . .
لا يصلح ناسخا لقوله :
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى . . .
« 4 » . لان الذي يبين غير الذي يكتم « 5 » وهكذا كل استثناء أو تخصيص ورد على حكم عام ، فقد زعموهما نسخا على خلاف المصطلح - فيما سيأتي .
ومن هذا الباب ما إذا طرأ عنوان ثانوي يختلف حكمه عن العنوان الذاتي الأولى ، كالاضطرار والحرج والتقية ، تعرض شيئا فتجعله جائزا بعد ان كان بعنوانه الذاتي حراما مثلا ، كالخمر تحل إذا اضطر إلى شربها ، وهذا لا يسمى نسخا في الاصطلاح ، نظرا لان
هامش
( 1 ) سورة النساء : 140 .
( 2 ) سورة الأنعام : 69 .
( 3 ) راجع : قائمة المنسوخات برقم 65 ص 346 .
( 4 ) سورة البقرة : 159 .
( 5 ) راجع : ابن حزم - بهامش الجلالين ج 2 ص 160 .