ذلك من مصالح يراها المولى الحكيم .
وعليه فالتعبير عن هذه الظاهرة الدينية بالنسخ تعبير ظاهري حسب ما كان يزعمه الناس ، حيث فهموا من اطلاق التشريع السابق بقاءه واستمراره ، وبعد ان جاء بيان الأمد متأخرا مصحوبا بتشريع لاحق ، حسبوه نسخا واقعيا للتشريع القديم . لما لمسوا من خواص النسخ فيه . وهذه استعارة في التعبير وليس من الحقيقة في شئ .
الفرق بين النسخ والبداء
إذا كان النسخ في التشريع - بمعنى نشأة رأى جديد - مستحيلا بحقه تعالى ، فهكذا البداء في التكوين - بنفس المعنى - مستحيل بشأنه تعالى ، على حد سواء .
إذ لا فرق بين النسخ والبداء ، سوى ان الأول خاص بالتشريعيات - اصطلاحا - والثاني بالتكوينيات . فان كلا منهما في مفهومهما الأصلي - وهو تبدل الرأي - ممتنع بالقياس إلى علمه تعالى الأزلي المحيط ، بلا فرق .
اذن فكما ان النسخ انما كان بمعناه الظاهري مستعملا في الشريعة ، وهو ظهور الشيء بعد خفاه على الناس ، فكذلك البداء ، ظهور امر بعد خفاء . سوى ان الأول ظهور أمد حكم كان معلوما عند اللّه خافيا على الناس ، والثاني ظهور أمر أو اجل كان محتما عنده تعالى من الأزل ، وخافيا على الناس ثم بدا لهم اى ظهرت لهم الحقيقة .
والخلاصة : ان للبداء في التكوين - كالنسخ في التشريع - معنيين ، يكون بأحدهما مستحيلا بشأنه تعالى ، وجائزا بالمعنى الآخر .
وبذلك يفسر قوله تعالى :
يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ
- الرعد : 32 - « 1 » وغيرها من الآيات .
هامش
( 1 ) راجع : تفسير ابن كثير ج 2 ص 519 . والبحار للعلامة المجلسي ج 4 ص 92 - 134 .