تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن — صفحة 275

مساهمون:

ص٢٧٥
الانسان المختار ، وقد تبدل إلى انسان مضطر .

حقيقة النسخ

النسخ في حقيقته الأولية - بمعنى « نشأة رأى جديد » - مستحيل عليه تعالى . إذ هو بذاك المعنى يستدعى تبدل رأى المتشرع ، بظهور خطاء أو نقص في تشريعه السابق ، عثر عليه متأخرا فابدل رأيه إلى تشريع آخر ناسخ للأول ، ويكون هذا الأخير هو الكامل الصحيح في نظره حاليا ، ويجوز تبدل رأيه ثانيا وثالثا إلى تشريع ثالث ورابع وهكذا ، ما دام يحتمل خطاؤه في كل تشريع . هذا المعنى انما يخص أولئك المتشرعين غير المحيطين بالمصالح والمفاسد الكامنة وراء الأمور ، تلك الإحاطة الشاملة . اما العالم بالخفايا المحيط بجوامع الواقعيات في طول الزمان وعرضه على حد سواء ، فيمتنع عليه خطأ في إصابة الواقع ، أو يفوته نقص كان غافلا عنه ثم وجده . كل ذلك مستحيل بشأنه تعالى . اذن فالنسخ المنسوب اليه تعالى نسخ في ظاهره ، اما الواقع فلا نسخ أصلا ، وانما هو حكم موقت وتشريع محدود من أول الأمر ، وانه تعالى لم يشرعه حين شرعه الا وهو يعلم أن له أمدا ينتهى اليه ، وانما المصلحة الواقعية اقتضت هذا التشريع الموقت ، وقد شرعه تعالى وفق تلك المصلحة المحدودة من أول الأمر . لكن لمصلحة في التكليف أخفى تعالى بيان الأمد ، وأجله إلى وقته المحدود . ثم في نهاية الأمد جاء البيان إلى الناس : أن هذا التشريع قد انتهى بهذا الاجل . فالنسخ في حقيقته الدينية ليس سوى تأخير بيان الأمد المضروب من الأول . ولعل في تأخير هذا البيان مصلحة للأمة ، منها الاختبار بتوطينهم على الطاعة فيما كان التكليف السابق شاقا - مثلا - . وغير