انظر إلى هذا التهافت في الاختيار ، تراهم لا يتجاوزون حدود تقليد مفروض عليهم ويزعمونه تحقيقا في البحث وحرية في الاختيار .
ان أكثر القراءات التي جاءت في كلام ابن الجزري وغيره هي من الشواذ المخالفة لقواعد اللغة رأسا ، ولا يجيز الفقهاء قراءتها في صلاة ولا في غيرها ، وقد تقدم انكار أحمد بن حنبل كثيرا من قراءات حمزة ، وكذلك غيره ، ومع ذلك فان بعضهم يقف من هذه القراءات موقف المتحمس الحاد من غير مبرر معقول .
يقول ابن السبكي : القراءات السبع التي اقتصر عليها الشاطبى ، والثلاثة التي هي قراءة أبى جعفر ، وقراءة يعقوب ، وقراءة خلف ، متواترة ، معلوم من الدين بالضرورة وانه منزل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله لا يكابر في شئ من ذلك الا جاهل . وليس تواتر شئ منها مقصورا على من قرأ بالروايات ، بل هو متواتر عند كل مسلم يشهد الشهادتين . وحظ كل مسلم وحقه ان يدين اللّه تعالى ويجزم يقينه بان ما ذكرنا متواتر معلوم باليقين لا تتطرق الظنون ولا الارتياب إلى شئ منه .
ويتعقبه القسطلاني : فقد علم أن السبع متواترة اتفاقا . وكذا الثلاثة . وان الأربعة بعدها شاذة اتفاقا « 1 » .
هامش
( 1 ) المصدر ص 76 - ويشبه ذلك - أيضا - اعتذار ابن مطرف في كتاب « القرطين » ج 2 ص 15 - الذي اختصره عن تأويل مشكل القرآن - حيث يطوى الكلام على حمزة ، قائلا : « وباقي الباب لم اكتبه لما فيه من الطعن على حمزة ، وكان أورع أهل زمانه » .
ويعلق السيد احمد صفر على هذا الاعتذار الخاطئ : « هكذا قال ابن مطرف ، وهو قول يدل على عصبية مضلة ، وغفلة عن قيمة الحقائق العلمية ، وأي فائدة أعظم من أن يبين ابن قتيبة في باقي الباب ، أوهام القراء التي وهموا فيها ، وسجلها عليهم العلماء الاثبات ، وبينوا خطأهم فيها ، وهل طعن ابن قتيبة في حمزة بغير الحق ؟
( هامش تأويل مشكل القرآن ص 59 ) .