قال ابن وهب : سألت مالكا عن مصحف عثمان ، فقال : ذهب « 1 » .
ويروى الشاطبى عن مالك ، أنه قال : « ان مصحف عثمان تغيب فلم نجد له خبرا بين الأشياخ » « 2 » وفي كلامه هذا : انه حاول العثور عليه فلم يستطع ، الامر الذي يدل على انقطاع اثره من صفحة الوجود بالكلية ، والا فلو كان له وجود ، لما كان يختفي عن مثل مالك .
تلك حالة المصاحف العثمانية الأولى لم يعد لها أثر في الوجود ، أما سائر المصاحف فلا تصلح مقياسا لموافقتها أو مخالفتها . لان قيمة تلكم المصاحف الأولى كانت باعتبار انتمائها إلى الصحابة الأولين ، اما غيرها فلم يثبت لها هذا الاعتبار .
ولعلك تقول : يحتمل ان تلكم المصاحف المتأخرة كتبت على نفس كتابة المصاحف الأولى حرفيا ، قلت : هذا احتمال ، ولا يمكننا ان نعتمد احتمالا نحتمله ما لم نستوثق من تحققه واقعا قطعيا . هذا فضلا عن التصريح بأنها كتبت على أسلوب حديث كان يختلف عن أسلوب المصاحف الأولى بكثير ، والا لم تعد حاجة إلى جمعها ، فكانت تنقط وتشكل فحسب ، اما ابعادها عن صفحة الوجود فلا سبب له سوى التغيير الجذرى الحاصل فيما بعد .
نعم ، أصل املاء الخط - في صورته البدائية - بقي محفوظا - نسبيا - لم يمسوه بيد اصلاح ، حسب ما قدمنا « 3 » . وسجل جزئياته أرباب المصاحف كابن الأنباري وابن أبي داود وغيرهما ، وكانوا هم حلقة الاتصال بيننا وبين المصاحف الأولى بعض الشيء ، الامر الذي لا نستطيع الاستيثاق بكليته تماما .
هامش
( 1 ) البرهان في علوم القرآن ج 1 ص 222 .
( 2 ) وفاء الوفاء ج 2 ص 669 .
( 3 ) في الجزء الأول ص 317 .