تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن — صفحة 131

مساهمون:

ص١٣١
قال ابن وهب : سألت مالكا عن مصحف عثمان ، فقال : ذهب « 1 » . ويروى الشاطبى عن مالك ، أنه قال : « ان مصحف عثمان تغيب فلم نجد له خبرا بين الأشياخ » « 2 » وفي كلامه هذا : انه حاول العثور عليه فلم يستطع ، الامر الذي يدل على انقطاع اثره من صفحة الوجود بالكلية ، والا فلو كان له وجود ، لما كان يختفي عن مثل مالك . تلك حالة المصاحف العثمانية الأولى لم يعد لها أثر في الوجود ، أما سائر المصاحف فلا تصلح مقياسا لموافقتها أو مخالفتها . لان قيمة تلكم المصاحف الأولى كانت باعتبار انتمائها إلى الصحابة الأولين ، اما غيرها فلم يثبت لها هذا الاعتبار . ولعلك تقول : يحتمل ان تلكم المصاحف المتأخرة كتبت على نفس كتابة المصاحف الأولى حرفيا ، قلت : هذا احتمال ، ولا يمكننا ان نعتمد احتمالا نحتمله ما لم نستوثق من تحققه واقعا قطعيا . هذا فضلا عن التصريح بأنها كتبت على أسلوب حديث كان يختلف عن أسلوب المصاحف الأولى بكثير ، والا لم تعد حاجة إلى جمعها ، فكانت تنقط وتشكل فحسب ، اما ابعادها عن صفحة الوجود فلا سبب له سوى التغيير الجذرى الحاصل فيما بعد . نعم ، أصل املاء الخط - في صورته البدائية - بقي محفوظا - نسبيا - لم يمسوه بيد اصلاح ، حسب ما قدمنا « 3 » . وسجل جزئياته أرباب المصاحف كابن الأنباري وابن أبي داود وغيرهما ، وكانوا هم حلقة الاتصال بيننا وبين المصاحف الأولى بعض الشيء ، الامر الذي لا نستطيع الاستيثاق بكليته تماما .
هامش
( 1 ) البرهان في علوم القرآن ج 1 ص 222 . ( 2 ) وفاء الوفاء ج 2 ص 669 . ( 3 ) في الجزء الأول ص 317 .