ذكره لهما ، ووصفه لهما تعالى ، على طريقة الزجر عن المعاصي ، والترغيب في الطاعات ، من الآلاء والنعم ؛ كما أن التهديد والوعيد ربما يكون أعظم في النعمة والزجر عن المعصية .
قال : ومثال ذلك ما ذكره تعالى في سورة النحل من قوله ومن آياته
أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ
( النمل : 60 ) ، ثم قال
أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ
( النمل : 61 ) ، فكرر ذلك تنبيها على أدلة التوحيد ، فلما كان قوله : أإله مع اللّه عند أمور مختلفة من صنع اللّه تعالى ونعمه لم يعد مختلفا .
فأما ما ذكره تعالى من إعادة قوله
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
( 15 ) في سورة المرسلات ، فلأنه ذكره عند قصص مختلفة لم يعد تكرارا ؛ لأنه أراد بما ذكره أولا ؛ ويل يومئذ للمكذبين بهذه القصة ، كلما أعاد قصة مختلفة ذكر مثله على هذا الحد ؛ فهو بمنزلة من قبل على غيره ، وقد قتل جماعة فيقول : ويل يومئذ لمن قتل زيدا . . لمن قتل عمرا ، ثم يجري الخطاب على هذا النحو ، في أنه لا يعد تكرارا « 1 » .
فأما ما يطعنون به ، مما يزعمون أنه تكرار في سورة ، قل يا أيها الكافرون ، فقد بيّن " أبو علي " : أنه وإن أشبه في اللفظ التكرار ، فليس بتكرار ، لأن المراد به ألا أعبد ما تعبدون اليوم ؛ وأراد يقوله :
وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ ،
( 3 ) أنكم غير عابدين ، لما أعبد اليوم ؛ وأراد بقوله
وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ
( 4 ) أي أنى عابد ما عبدتموه ، فما سلف ؛ لأنهم كانوا يعبدون في المستقبل من الحجارة والأوثان غير ما عبدوه من قبل ؛ وعنى بقوله
وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ
( 5 ) أنكم تعبدون ما أعبده ، بعد اليوم . . وإنما أنزل عز وجل ذلك لأن قوما من الكفار قالوا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : أعبد ما نعبده اليوم سنة ، حتى نعبده ما
هامش
( 1 ) القاضي عبد الجبار : المغني . . . ، ج 16 ، ص 399 .