بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
( 170 ) فإنّما عنى به النبيّ عليه السّلام فقال له :
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً
وأراد :
لا تحسبنّهم أمواتا في وقت ما أخبره عنهم بهذا الخبر . وبيّن له بقوله :
بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ
أنّهم في وقت ما أخبره عنهم بهذا الخبر كانوا أحياء في قبورهم يرزقون .
وعنى بقوله :
عِنْدَ رَبِّهِمْ
أنّهم في الموضع الذي لا يملك لهم أحد من العباد نفعا ولا ضرّا إلّا اللّه : فجعل ذلك كونا لهم عنده على هذا المعنى ، لا على معنى أنّهم إذا كانوا في القبور كانوا قريبين من اللّه بالمسافة ، وإذا كانوا على وجه الأرض أحياء كانوا بعيدين منه ؛ لأنّ اللّه لا يجوز عليه حلول الأماكن ولا الكون فيها .
ويجوز أيضا أن يكون عنى بذلك أنّهم عند اللّه أحياء على أنّه يعلمهم أحياءا ، وإن كان ذلك يخفى على الناس . وهذه حياة المؤمنين في قبورهم ؛ لأنّ اللّه إذا أراد أن ينعمهم في قبورهم وأن يعجّل لهم بعض ثواب أعمالهم في الدنيا ، لم يجز أن يوصل إليهم النعيم والثواب حتّى يحييهم ؛ لأنّ الميّت لا يجوز أن يجد النعيم واللذّات « 1 » .
ب - وقوله :
لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ
يؤكد ذلك ، لأنهم في الآخرة قد لحقوا بهم ، ومعنى الآية النهي عن أن يظن أحد أن المقتولين في سبيل اللّه أموات . والخطاب للنبي ( صلى اللّه عليه وآله ) ، والمراد به جميع المكلفين ، كما قال :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ
وأنه ينبغي أن يعتقد أنهم
أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ( 169 ) فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ
وبهذا قال الحسن ، وعمرو بن عبيد ، وواصل بن عطاء ، واختاره الجبائي ، والرماني ، وأكثر المفسرين « 2 » .
ت - وقوله :
عِنْدَ رَبِّهِمْ
قيل في معناه قولان : . . . والوجه الآخر : عند
هامش
( 1 ) ابن طاووس : سعد السعود للنفوس ، ص 263 .
( 2 ) الطوسي : التبيان ج 3 / 46 .