الرماة كانوا فريقين ، بعضهم فارقوا المكان أولا لطلب الغنائم ، وبعضهم بقوا هناك ، ثم هؤلاء الذين بقوا أحاط بهم العدو ، فلو استمروا على المكث هناك لقتلهم العدو من غير فائدة أصلا ، فلهذا السبب جاز لهم أن يتنحوا عن ذلك الموضع إلى موضع يتحرزون فيه عن العدو ، ألا ترى أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ذهب إلى الجبل في جماعة من أصحابه وتحصنوا به ولم يكونوا عصاة بذلك ، فلما كان ذلك الانصراف جائزا أضافه إلى نفسه بمعنى أنه كان بأمره وإذنه ، ثم قال :
لِيَبْتَلِيَكُمْ
والمراد أنه تعالى لما صرفهم إلى ذلك المكان وتحصنوا به أمرهم هناك بالجهاد والذب عن بقية المسلمين ، ولا شك أن الاقدام على الجهاد بعد الانهزام ، وبعد أن شاهدوا في تلك المعركة قتل أقربائهم وأحبائهم هو من أعظم أنواع الابتلاء فإن قيل : فعلى هذا التأويل هؤلاء الذين صرفهم اللّه عن الكفار ما كانوا مذنبين فلم قال :
وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ
؟ قلنا : الآية مشتملة على ذكر من كان معذورا في الانصراف ومن لم يكن ، وهم الذين بدؤا بالهزيمة فمضوا وعصوا فقوله :
ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ
راجع إلى المعذورين ، لأن الآية لما اشتملت على قسمين وعلى حكمين رجع كل حكم إلى القسم الذي يليق به ، ونظيره قوله تعالى :
ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ
( التوبة : 40 ) والمراد الذي قال له :
لا تَحْزَنْ
وهو أبو بكر ، لأنه كان خائفا قبل هذا القول ، فلما سمع هذا سكن ، ثم قال :
وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها
( التوبة : 40 ) وعنى بذلك الرسول
هامش
- وارد عليهم ، لأن مذهبهم أن الخير والشر بإرادة اللّه وتخليقه ، فعلى هذا قالوا معنى هذا الصرف أن اللّه تعالى رد المسلمين عن الكفار ، وألقى الهزيمة عليهم وسلط الكفار عليهم ، وهذا قول جمهور المفسرين . قالت المعتزلة : هذا التأويل غير جائز ويدل عليه القرآن والعقل ، أما القرآن فهو قوله تعالى :إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا( آل عمران : 155 ) فأضاف ما كان منهم إلى فعل الشيطان ، فكيف يضيفه بعد هذا إلى نفسه ؟ وأما المعقول فهو أنه تعالى عاتبهم على ذلك الانصراف ، ولو كان ذلك بفعل اللّه لم يجز معاتبة القوم عليه ، كما لا يجوز معاتبتهم على طولهم وقصرهم وصحتهم ومرضهم . ( راجع الرازي : التفسير الكبير ج 9 / 31 ) .