البيان : والآية الكونية هنا تتجاوز الآفاق إلى الأنفس ، فهذه الأرض المحدودة للنظر والخطو ، وهذه الرواسي الملقاة على الأرض ، وهي الارزاق المؤهلة للعيش والحياة فيها ، تصاحبها الإشارة إلى النبت الموزون ، وهي كثيرة شتى :
( وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ )
.
فهم يعيشون على أرزاق اللّه التي جعلها لهم في الأرض
( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ )
فما من مخلوق يقدر على شيء أو يملك شيئا .
انما هي خزائن اللّه عزّ وجل . ينزل منها على الخلق
( بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ )
فليس من شيء ينزل جزافا . ولا اعتباطا ، ولا صدفة .
( وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ )
الرياح تنطلق وفق عوامل فلكية وجوية .
وتحمل الماء وفقا لنواميس الهية . وتسقط بقدر معلوم في مكان معلوم .
في وقت معلوم بنظام مضبوط والذي قدر ذلك كله هو الخالق العظيم والصانع القدير .
ونلاحظ في التعبير انه يرد كل حركة إلى اللّه حتى شرب الماء
( فَأَسْقَيْناكُمُوهُ )
فالرياح والماء ، والاستقاء كله يرجع إلى سنة اللّه المدبر الحكيم .
( وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوارِثُونَ )
وهنا يلتقي المقطع الثاني بالمقطع الأول . فهناك قال
( وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ )
وهنا يقرر ان الحياة والموت بيد اللّه العزيز الحكيم . وان اللّه هو الذي يرث الأرض ومن عليها . والسماء ومن فيها :
( إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ )
.
[ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 26 إلى 35 ]
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ( 26 ) وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ ( 27 ) وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ( 28 ) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ ( 29 ) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ( 30 )
إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ( 31 ) قالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ( 32 ) قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ( 33 ) قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ( 34 ) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ ( 35 )