تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير البيان الصافي لكلام الله الوافي — صفحة 62

مساهمون:

ص٦٢

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 44 ]

أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 44 ) ومع أن هذا النص القرآني كان يواجه ابتداء حالة واقعة من بني إسرائيل فإنه في ايحائه للنفس البشرية ، ولرجال الدين بصفة خاصة ، دائم لا يخص قوما دون قوم ولا يعني جيلا دون جيل . فان آفة رجال الدين - حين يصبح الدين حرفة وصناعة ، لا عقيدة حارة دافعة - انهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ، يأمرون بالخير ولا يفعلونه ، ويدعون إلى البر ويهملونه ، ويحرفون الكلم عن مواضعه ، ويؤولون النصوص القاطعة خدمة للغرض والهوى ، ويجدون فتاوى وتأويلات قد اتفق في ظاهرها مع ظاهر النصوص . ولكنها تختلف في حقيقتها عن حقيقة الدين لتبرير أغراض وأهواء لمن يملكون المال أو السلطان ، كما كان يفعل أحبار اليهود والنصارى فيما سبق وحتى الآن . والدعوة إلى البر والمخالفة عنه في سلوك الداعين اليه ، هي الآفة التي تصيب النفوس بالشك لا في الدعاة وحدهم ولكن في الدعوات ذاتها ، وهي التي تبلبل قلوب الناس وأفكارهم ، لأنهم يسمعون قولا جميلا ، ويشهدون فعلا قبيحا ، فتملكهم الحيرة بين القول والفعل ، وتخبو في أرواحهم الشعلة التي توقدها العقيدة ، وينطفئ في قلوبهم النور الذي يشعه الايمان ولا يعودون يثقون في الدين بعد ما فقدوا الدين . ان الكلمة لتنبعث ميتة ، وتصل هامدة ، مهما تكن طنانة رنانة متحمسة إذا هي لم تنبعث من قلب يؤمن بها ، ولن يؤمن انسان بما يقول حقا الا أن يستحيل هو ترجمة حية لما يقول : وتجسيما واقعيا لما ينطق . . عندئذ يؤمن الناس ، ويثق الناس ، ولو لم يكن في تلك