تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
« 1 » . فهذا القول يكشف عن إتيان أمر اللّه الموعود في تلك الآية ، وسياق الوعد المذكور هناك يأبى أن يكون هو بعضا من الأحكام الدينيّة ، إذ أركانها قد كانت نزلت قبل المائدة ، كالصلاة والصوم والحج والجهاد والزكاة والخمس وغيرها ، ولم يكن التغيير إلّا بنسخ غير مترتّب ، فلا معنى لإرتباط طمع الكفّار ويأسهم بها ، ويأتي سياق قوله :
الْيَوْمَ يَئِسَ
إلى آخره ، أن يكون ذلك بانتهاء الفرائض والأحكام وختمها ، وإلّا لكان النظم يوجب أن يقال :
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
فلييأس الذين كفروا عن دينكم ، أو فيئس الذين كفروا ، ويأبى أن يكون هو المكشوف عنه بقوله في أهل الكتاب :
لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ
« 2 » ، إذ الهدفان في الآيتين مختلفان فإحداهما تنبئ عن ضلال سعيهم وعدم تأثير أذاهم ، والأخرى تخبر عن تمكّن اليأس فيهم ، وليس قوله :
الْيَوْمَ يَئِسَ
، إلى آخره ، واقعة في سياق الآيات التالية كقوله :
الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ
« 3 » ، لاختلافهما بالاعتراض والاستئناف . هذا كلّه مضافا إلى أنّ طمع الكفّار إنّما كان متعلّقا بالدين نفسه من غير هوى منهم في المؤمنين إلّا لتلبّسهم بشعاره ، فقد كانوا يريدون إطفاء هذا النور واخماد ناره ، كما يدلّ عليه قوله :
يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ
هامش
( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 109 . ( 2 ) . آل عمران ( 3 ) : 111 . ( 3 ) . المائدة ( 5 ) : 5 .