تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عون الحنان في شرح الامثال في القرآن — صفحة 268

مساهمون:

ص٢٦٨
انفرد ذلك الإنسان بتلك الميزة التي تجعله يعيش حياتين : دنيوية يكابد فيها ، يسعد ويشقى ، ويمرض ويصح ، ويتطور في خلقته من صغر إلى كبر ، وحياة أخروية يجد فيها جزاء سعيه في دنياه ، ونتيجة عمله الذي قام به ، وحريته التي اكتسبها ، وهكذا ينفرد بتلك الخاصية التي لا تحظى بها مخلوقات أخرى من دواب ومخلوقات ، وأرض وسماء . بل إن هذه المخلوقات إنما جعلت في هذه الدنيا لتخدم ذلك الإنسان الذي يبحث عن مصيره في دنياه وأخراه ، وعن ذاته ، وكيف تتحقق ، وعن وجوده ، وكيف يكون ، تخدمه بلا مقابل ولا جهد ، فالزرع ينبت في الأرض ويستوى على سوقه ويعطى ثماره ، والشمس تشرق فترسل الدفء إلى الأجسام المقرورة ، وتثير الرياح والسحاب كي يحمل في طياته المطر الذي يبعث النماء والخير ، كي يحيا الإنسان ، عطاءات عديدة من قبل خالق الخلق بمقتضى ربوبيته لهذا الإنسان ، والذي أمر ملائكته بالسجود له ، وقال لهم :
إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ
[ البقرة : 30 ] ، لا يسأل عما يفعل ، فقد خلق ذلك الإنسان وهو يعلم بحقائقه علم انكشاف وإحاطة ، وإدراك لما يتطلبه ، لحكمة إلهية
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ
[ الذاريات : 55 ] . هذا هو المحور الذي تدور حوله الأمثال القرآنية ، والترابط بين غاياتها في تحرير هذا الإنسان من كل إصر يعوق عقيدته ، من أن تنطلق نحو الإيمان الحق باللّه الواحد ، والابتعاد عن مواطن الأهواء ، والنزعات الضارة المفسدة لتلك الفطرة النقية الصافية التي خلقها اللّه سبحانه وتعالى ، لتتشرب روح الحياة كما خلقها خالقها ، ولتسير في ضوء هداه ، واضحة المنهج ، متمتعة بطيبات ما أحل اللّه ، بعيدة عن نزعات الشيطان ، محققة ذلك الإنسان المميز بعقله ، وحريته ، واختياره ، والذي يستحق كلمة اللّه في حقه :
إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ
[ البقرة : 30 ] .

المقارنة بين الأمثال القرآنية :

بالقراءة المتأنية والواعية لسور القرآن الكريم ، يستطيع الإنسان القارئ أن يجد ألوانا من التفاوت والاختلاف في الأمثال التي عرضت ، تفاوت واختلاف يرجعان إلى طبيعة المكان ، والزمان ، والناس ، والموضوع المعالج ، إلى غير ذلك من أوجه الاختلاف ، وقد استطعت بتوفيق من اللّه جل في علاه ، أن أحدد بعض هذه الأوجه ، أعرضها في الآتي :
عون الحنان في شرح الامثال في القرآن — صفحة 268 | الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي