تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عون الحنان في شرح الامثال في القرآن — صفحة 269

مساهمون:

ص٢٦٩
1 - الأمثال التي وردت في القرآن الكريم في السور المكية أكثر من التي وردت في السور المدينة ، ويرجع ذلك إلى بدء الدعوة في مكة ، وحاجة الناس إلى وسائل عديدة من الإرشاد والتوجه ، حتى تصل الدعوة إلى نفوسهم وقلوبهم وعقولهم ، عن طريق الاسترشاد بالأحداث والوقائع ، وبخاصة أن الأمية والجهالة فاشية في القوم ، وكانت التقاليد والعادات آخذة برقابهم ، ومهيمنة على عقولهم ، فهم لا ينفكون يقولون : هذا ما وجدنا عليه آباءنا . والتغلب على هذه العقدة المسيطرة جد عسير ، ما لم تستخدم تلك الوسائل المؤثرة في النفس والعقل ، فهم بمثابة أطفال وجدوا أنفسهم في مقاعد للسمع ، ويحتاجون إلى إدراك ما يزيل ما بهم من جهالة ، ويرفع عنهم الغشاوة ، ويفتح أعينهم على أنوار الحياة بكل معطياتها ، ولا يتأتى ذلك بالتعليم المباشر ، وبالنصح الغالب ، وإنما تقوم وسائل الإيضاح بمهمتها خير قيام بعرض بعض قصص السابقين ، ووصف أحوال الغابرين بتلك الصورة الموحية التي تستخلص نتائجها ، ويستهدى بها العقل إذا وصلت إلى سمعه ، واستقرت في أعماقه ، وقد تكون كما نفعل الآن بمثابة فيلم يعرض على الصغار ، فيثبت في أذهانهم المعلومة ، وينقل إليهم التجربة ، ويعرفون النتيجة بتلك الصور التي تستولى على مشاعرهم ، هم في دور التكوين والتعليم ، فلتؤد وسيلة الإيضاح مهمتها بكل طريق . ومن التجارب والأحداث والوقائع تكون الخبرات الصادقة ، والنتائج القربية ، ولم لا ؟ أليس هؤلاء الناس أقرب إلى جو هذه الأمثال ، وما بها من صدق وفكر ، وتأثير بما يشتهر على ألسنتهم من حكمة صادقة يرسلونها إرسالا ، فتدوى مع الزمن ، وتصدق في كل حين ، أليست الحكمة التي يتحدثون بها في ندواتهم ويتناشدونها في أشعارهم إلا قسيما لذلك المثل الذي يردد بين الحين والحين ، فيكون له تأثيره وأثره ؟ إن الأمثال الحكمية بما ترسله من إشعاعات الفكر ، وتأثيرات القول ، وعمق التجربة ، لتعلى من شأن قائلها على مدى العصور والأيام ، وتعلى من شأن معتنقيها ومصدقيها لو ساروا على نهجها وهداها ، لذلك كانت الأمثال في هذا الجو ، وفي هذا الميدان ، من متطلبات الدعوة ، تأتى في آيات اللّه لتنزع الجهل والجهالة ، وتقتلع بذور الشرك ، وتضع اللبنات الأولى في بناء ذلك المجتمع الذي يحتاج إلى كثير من مواد البناء من مثل ، وحكمة ، وأمر ، ونهى ، وتبيان . . . إلخ .
عون الحنان في شرح الامثال في القرآن — صفحة 269 | الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي