تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عون الحنان في شرح الامثال في القرآن — صفحة 270

مساهمون:

ص٢٧٠
وعن طريق هذا المثل الذي يقوم على التشابه بين قصتين ، وحالتين ، دعوة لأولئك الناس إلى استخدام عقولهم في التفكير الذي يقوم على الموازنة والتمييز بين شيئين ليختار العاقل الصالح من الأمر ، وإعلامهم بأن العقل والفكر علامتان للإنسان الجديد الذي يدين بدين الإسلام ، فلا خضوع لتقاليد ، ولا إرهاب لسلطة مهما كانت مراكزها ، ولا بجنس أو لون ، وإنما الناس جميعا إخوة سواسية ،
إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ
[ الحجرات : 13 ] . في هذه البيئة الصخرية الحجرية في طبيعتها ، وفكر أصحابها ، وتقاليد أسرها وعائلاتها ، وتكوين مجتمعاتها ، كان من الحكمة الإلهية أن يكثر قرع الآذان بتلك الدقات الشديدة من الأمثال ؛ لتصل إلى مجامع القلوب ، فتقوم من غفوتها ، وتستيقظ من سباتها العميق الذي يحجب عنها الرؤية لذلك النور الإلهى الذي بدد الظلام ، وأزال الغشاوة عما لحق بالصدور والقلوب من الشرك باللّه ، والانتماء للباطل بصوره وأشكاله . وإذا كانت الفترة الزمنية الأولى في بدء الدعوة قد امتدت إلى ثلاث عشرة سنة ، مما أتاح للرسول ، عليه الصلاة والسلام ، أن يعمل على نشر الدعوة بين ربوع مكة وما جاورها ، وأن يهيئ أولئك الرجال الذين اتبعوه وآمنوا بالقرآن الكريم ليحملوا رسالته في كل مكان ، فإن المجتمع الجديد الذي ستنتقل إليه الدعوة تختلف فيه الصورة عن المجتمع المكي ، فهذا المجتمع المدني يقوم على الزراعة ، وطبيعته تختلف عن طبيعة مكة ، فالأرض الخصبة تعطى ، وتنبت الخير والرزق ، وتنعكس تلك الطبيعة على أهلها برا ، وسماحة ، ولينا ، واستجابة لدعوة الخير من أول نداء وجهه الرسول إليهم في بيعاتهم التي بايعوا فيها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فهذا المجتمع تفتح ذهنه لهذا الفكر الوافد ، وبدت ملامح اليقظة في حركاته بفعل تأثره بغيره من المجتمعات الأخرى التي اختلطت به ، وتميزت بفكرها ، وكتبها السماوية ، فكان الأمر سهلا ، لا يحتاج إلى كبير معاناة في توصيل الحقائق المباشرة التي تبنى الحياة بكل اتجاهاتها المختلفة . فليس فيها ذلك الفكر المتسلط ، ولا رهبة أصحاب السلطة الدينية ، كما في مكة ، ولا تلك التقاليد البالية التي تعوق الفكر الجديد عن الوصول إلى قلوب الناس وعقولهم . وكان القرب من اليهود في ذلك الوقت سبيلا إلى معرفة مظاهرهم الدينية ،
عون الحنان في شرح الامثال في القرآن — صفحة 270 | الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي