تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عون الحنان في شرح الامثال في القرآن — صفحة 246

مساهمون:

ص٢٤٦
فلا يليق بالمؤمن أن تتملكه هذه النزعات التي تتنافى مع كمال الإيمان ، وروح الاعتقاد ، بل هي من صفات أولئك الكافرين الذين تجردوا من الإيمان باللّه ، وتحكمت فيهم شهوات النفس وحب الدنيا ، أما أولئك الأقوياء في عقائدهم ، فهم يستسلمون لقضاء اللّه وقدره إذا نزل بهم مكروه ، ولا يجزعون من الأحداث التي تضعف النفس ، فاللّه جلت قدرته قد حكم في محكم قرآنه أن الغلبة والفوز لمن تمكن الإيمان من قبله ، والذي يعمل من أجل الحق وإزهاق الباطل ، فقال في كتابه العزيز :
كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ
[ المجادلة : 21 ] . ثم جاءت الآية الثانية :
إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ
[ آل عمران : 140 ] ، جاءت هذه الآية لتوجه البصائر إلى ما يقع في الحياة من سنن اللّه ، ولن تجد لسنة اللّه تبديلا ، هذه السنن تحدث في الحياة ومع الإنسان في عاداته ، وسلوكياته ، وحروبه ، ومواقفه المتعددة ، سنن تجرى من اللّه جل وعلا لتكون في جانب الحق تارة ، ولتكون في جانب الباطل تارة أخرى ، ينتصر الإيمان في معركة ، وقد ينتصر الشرك في معركة ، فقد انتصر المسلمون في غزوة بدر الكبرى على الرغم من قلة عددهم وعدوهم ، وانهزم المشركون وقوى الباطل ، ثم هزم المسلمون في معركة أحد أمام الكفار . كل هذه السنن تجرى تبعا لحكمة إلهية أرادها اللّه ، وجعل لكل شئ سببا ، فما كان من هزيمة المسلمين ، إنما لأسباب عديدة ، لا لنقص في الإيمان ، ولا لضعف في العزيمة ، ولا لغرور أصاب القوم ، وإنما كان لمخالفة الجند لأمر القائد ، وترك أماكنهم التي أمرهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالبقاء فيها ؛ لحماية جيش المسلمين والنّبل عنهم إذا تعرضوا لهجوم مباغت ، وهكذا كانت النتيجة مترتبة على عمل من أعمال الإنسان ، وليست بأمور خارجية عنه . ولذلك جاءت الآيات القرآنية تعلم ، وتظهر حكمة اللّه في هذه الهزيمة التي لحقت بالمؤمنين في هذه المعركة لتكون طريقا إلى العظة والاعتبار ، ودرسا يستفيد منه كل من يبغى الفهم الحقيقي لجوهر الدين ومراميه ، فإذا كان المسلمون قد هزموا في معركة أحد ، فقد هزم الكفار أيضا في معركة سابقة ، وأصابهم ما أصاب المسلمين من خسائر فادحة ، وليس هذا الأمر صدفة وجزافا ، وإنما لأسباب جديرة بالفهم والدرس ، فالنصر يتحقق بالأعمال التي تحقق النجاح ، والاستعداد ، وجانب الحذر ، والقيادة الحكيمة ،