تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عون الحنان في شرح الامثال في القرآن — صفحة 243

مساهمون:

ص٢٤٣
اليقين ، وأن الدين الذي يعبده كل فريق ليس دينا حقيقيا يتعبد به ، ويشترك في هذا أهل الملل الأخرى ، حتى مشركو قريش الذين وصفتهم الآية بأنهم لا يعلمون ، فنفت عنهم العلم ؛ لأن الأمية قد تفشت فيهم ، وانتشرت الجهالة وسيطرت على أنفسهم وعقولهم ، فلا يعلمون من حقائق الأمور شيئا ، حتى عن الكتب السابقة والشرائع التي أنزلت . لذلك فهو يشتركون في هذا المعمعة ، ويدفع الجميع تعصب لما يعتقد ، وخرافات تتحكم فيهم ، واعتقادات باطلة ، وأنهم وحدهم الناجون من النار ، ومن عذاب اللّه يوم القيامة . يسجل اللّه سبحانه وتعالى على الجميع ما يقوله ، ويحكم بينهم يوم القيامة ، ويبطل ما لهم من دعاوى باطلة ، فالدين واضح ، والحق سبيله معلوم ، لا يتعبد بأسماء ولا بألقاب ، وإنما هو إيمان خالص ، وعمل صالح ، لا يدعو إلى تفرق في دين ، أو اختلاف في أصول . وإذا كانت الأهواء والنزعات قد طغت على أهل الكتاب في تفكيرهم ، فأعرضوا عن الإيمان بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، وطعنوا في هذا الدين الذي أتى به ، وإذا كان هذا الطعن لا ينهض حجة على بطلان الدين الذي جاء به ، فإن الآية تصورهم بأنهم لا يرضون إلا بمن يتبع دينهم ، وكل فريق يخالف فهو في النار وعلى ضلال . هذا تفكير طبعوا عليه من قديم ، حتى في أيام أنبيائهم ، ورسلهم ، وجدالهم معهم ، ويبدو هذا واضحا في قصة بني إسرائيل مع موسى ، عليه السلام ، حينما قتل واحد منهم ، وأرادوا معرفة قاتله ، فذهبوا إلى موسى ، وطلبوا منه أن يدلهم على القاتل ، فأمرهم بذبح بقرة ، وأن يأخذوا جلدها ، ويضربوا به القتيل ، فيحييه اللّه تعالى ، ويدلهم على قاتله ، أمور واضحة لا تحتاج إلى لجاجة ومراجعة ، ولكنهم أخذوا يسألون : ما لونها ؟ ما عمرها ؟ ما صفاتها ؟ أسئلة ، ولجاجة ، والتواء في التفكير لا تدل إلا على سوء طوية ، وخداع . وهو لون من الفكر المارق ، كما يسميه الأستاذ أحمد بهجت ، تحت عنوان : الفكر البقرى ، نسبة إلى قصة البقرة ، فكر ضال أخذ عليهم حياتهم ، وسيطر على نفوسهم ؛ كراهة الاهتداء ، وعدوانا على الحق وأهله ، ومن سماته الفجاجة ، والالتواء الذي لا يعرف طريق الحق ، وينحرف عن الجادة .
عون الحنان في شرح الامثال في القرآن — صفحة 243 | الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي