تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عون الحنان في شرح الامثال في القرآن — صفحة 249

مساهمون:

ص٢٤٩
مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ
« 1 »
يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ
« 2 »
يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ
« 3 »
يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
[ النور : 35 ] جاءت الآية السابقة لهذا المثل ممهدة لتوضيح حقيقة أن اللّه سبحانه وتعالى قد أنزل إلى المؤمنين آيات واضحات ، مفصلات لكل حاجيات الإنسان في حياته الدنيوية من شرائع ، ومعاملات ، وعقائد ، ثم عرض اللّه سبحانه أمثلة لما حدث للسابقين في مواقفهم من أحداث الحياة ، ومن الرسل ، وما حلّ بالمكذبين من عقاب ، جزاء عنادهم وكفرهم وعدم استجابتهم للدعوات الصالحات التي دعو إليها ، وما كان في مقابل ذلك من مواقف لمؤمنين نعموا في دنياهم بصفاء العقائد ، والقلوب ، والأرواح ، وسعدوا بها في معاملاتهم ، كما سعدوا بها في أخراهم بما حظوا به من رضا اللّه سبحانه وتعالى ، عليهم ، وما أعده لهم من جزاء وفضل عميم . وكل هذا الذي عرض مجملا في آية واحدة إنما سيق ليكون طريق عظة واعتبار يهتدى به كل من يعبد اللّه ، ويتقيه ، ويؤمن بكل ما جاء من مثله على أيدي رسله ، فالمؤمن هو حصيلة هذه الدعوات التي نزلت على رسل اللّه ، والتي خصه اللّه بها وكرمه ، من اللّه نور السماوات والأرض . وسورة النور قد حوت الكثير من أوضاع هذه النفس البشرية ، وبخاصة المتدنية التي ترتكب الموبقات من قذف ، وشهوة ، وفاحشة ، ووضعت لها الضوابط التي تقيم من عوجها ، وتردعها حتى تعود إلى صفائها ونقائها ، وتستعد لاستقبال النور الإلهى الذي يفيض في الكون الكبير ، أرضه وسمائه ، ويسبح فيه ، فتلتقى هذه النفس بمشاعرها بهذا النور في ألفة ومعرفة وفرح ؛ لأنها من خلق اللّه ، وقد هيأها اللّه سبحانه وتعالى لتكون نقطة اتصال بين السماء والأرض عن طريق وحى اللّه الذي كرمها به ، وجعلها أهلا لتحمل أمانته من رسالة ، وإرادة ، واختيار ، وبذلك كان تمييزها ، وتقديرها بهذا التصوير الرائع الذي عرضته الآية القرآنية .
هامش
( 1 ) درى : منسوب إلى الدر لفرط ضيائه وصفائه . ( 2 ) لا شرقية ولا غربية : لا يتمكن منها حر ولا برد . ( 3 ) نور على نور : يريد أن النور الذي شبه به الحق نور مضاعف قد تناصر فيه المشكاة ، والزجاجة ، والمصباح ، والزيت ، حتى لم تبق بقية مما يقوى النور .