تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عون الحنان في شرح الامثال في القرآن — صفحة 248

مساهمون:

ص٢٤٨
شك بحاجة ملحة إلى الحذر ، والدهاء ، والمكر ، وكل ألوان الأسلحة التي تستخدم استخداما كريما في مدافعة الحياة دون أذى أو إضرار بالآخرين ، فهذه الصفات تكسب صاحبها تفوقا وتميزا على الآخرين ، يكتسبها من ممارسة الحياة ، ومخالطة الآخرين ، وكثرة التجارب ، مع يقظة في العقل ، ودقة ملاحظة للأمور ، وبصر بالمواقف ، بهذا يكون المؤمن عامل نفع في الحياة لا معول هدم يلحق الأذى بالآخرين ، ويضر نفسه ومجتمعه ، كما كان يظهر سابقا في أخلاق اليهود ، وما لهم من كيد وتدبير جرّ عليهم الكثير من المتاعب ،
وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ
[ الأنفال : 30 ] . مكر ، ومكر موازنة ، ونتيجة واضحة ، وغلبة للّه سبحانه وتعالى في هذا الموقف ، وهكذا كل موقف مشابه . ويحضرنا في هذا الموقف كيف تستغل هذه الصفات استغلالا طيبا تؤدى إلى النفع لأصحابها ولغيرهم ، من شخصيات لها دورها في المكر والدهاء في تاريخنا العربي ، تذكر كتب الأدب أن داهية من دهاة العرب وهو معاوية بن أبي سفيان ، صاحب المقولة الشهيرة : لو كان بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت ؛ لأنهم إذا شدوا أرخيت ، وإذا أرخوا شددت . التقى وهو مؤسس دولة بنى أمية ، مع قائده زياد بن أبيه ، واليه على الكوفة ، في موقف فيه إرشاد وتعليم ، فقد توفى المغيرة والى الكوفة ، وخاف زياد أن يولى معاوية مكانه رجلا آخر يسمى عبد اللّه بن عامر ، فأرسل إلى معاوية يخبره بوفاة المغيرة ، ويشير عليه بتولية رجل آخر يسمى الضحاك بن قيس مكانه . ففطن معاوية لما يدور في خلد زياد ، فكتب إليه : قد فهمت كتابك فليفرخ روعك « 1 » بالمغيرة ، لسنا نستعمل ابن عامر على الكوفة ، وقد ضممناها إليك مع البصرة . فلما ورد كتاب معاوية ، قال زياد : النبغ « 2 » يقرع بعضه بعضا . 2 - قال اللّه تعالى :
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ
« 3 »
فِيها
هامش
( 1 ) يفرخ روعك : يهدأ بالك . ( 2 ) النبغ : من شجر الجبل ، وهو من أكرم العيدان . ( 3 ) المشكاة : فتحة في الحائط غير نافذة ، والمراد الأنبوية التي تجعل فيها الفتيلة ، ثم توضع في القنديل .