تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عون الحنان في شرح الامثال في القرآن — صفحة 245

مساهمون:

ص٢٤٥
من هذا الذي ادعوه ، وأنه واحد أحد ، وله ما في السماوات والأرض يخضع لمشيئته ، وإذا أراد شيئا كان بقدرته الفاعلة . أما مشركو قريش الذين تحكم فيهم الجهل ، وسيطر على نفوسهم جانب الغفلة ، فقد أبانوا عن هذه الجهالة بتلك الاقتراحات الباطلة من تكليم اللّه إياهم ، أو إنزال آية ، تشابهت مواقفهم مع مواقف الأمم السابقة من اليهود الذين طلبوا من موسى ، عليه السلام ، أن يروا اللّه جهرة ، فأخذتهم الصاعقة . وهؤلاء الغافلون من أهل مكة أيضا يطلبون آية تشهد بنبوة محمد ، أو يفجر اللّه لهم ينابيع الماء ، إلى غير ذلك من تلك الخوارق المادية التي تدل على الجهل بالشرائع وبالكتاب ، من هذه الاقتراحات ما يدل على إنكارهم لرسالة محمد واختصاصه بالوحي دونهم ، ولم يكن ذلك إلا عن جهل وعدم معرفة بحقيقة أن اللّه سبحانه يختار لرسالته من يشاء ، وأن اللّه أجرى على يديه آيات قرآنية ، وعقلية ، وكونية ، عجز الفصحاء والبلغاء أن يأتوا بمثلها ، ولكن هذا دأب الكافرين في معارضة الحق . لذلك ختم اللّه هذا المثل بقوله :
قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ
[ البقرة : 118 ] ، والذين يوقنون هم من خلصت نفوسهم من شوائب الشرك والتقليد ، والآراء الفاسدة ، وتوجهت إلى طلب الحق في الأمور الاعتقادية بالبرهان والدليل . وبالإضافة إلى هذا الجانب الاعتقادي والعقلي الذي يتميز به المؤمن لكي يمارس دوره البناء في الحياة كما يجب أن تكون ، عليه أن يستفيد أيضا من تجارب الآخرين ، وأن يتحمل بأساء الحياة ، وما بها من سنن تجرى بقضاء اللّه وقدره ، ومن انتصار مرة ، وهزيمة أخرى ، حتى يكون كأولئك الذين نصبوا أنفسهم للدفاع عن الدين إبان ظهوره ، يتعلم منهم ، فلا يقنط من رحمة اللّه إذا ألم به مكروه ، ولا يحزن إذا نزلت به كارثة ، فتلك الأيام نداولها بين الناس . 1 - قال اللّه تعالى :
إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ
[ آل عمران : 140 ] . أتت هذه الآية عقب آية تنهى عن الجزع والحزن ، والوهن الذي يصيب كل مهزوم ، وذلك في قوله تعالى :
وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
[ آل عمران : 139 ] .