تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات القرآن — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢
« من روحي » ، وهذا دليل على منتهى عظمة وأهميّة الروح الإنسانية ، وهذا من قبيل الإضافة التشريفية حسب المصطلح ، ك « بيت اللَّه » و « شهر اللَّه » التي تشير إلى أهميّة الكعبة وعظمة شهر رمضان المبارك ، وإلّا فإنّ كل مكان هو بيته وكل الأشهر أشهره . والثانية أمر جميع الملائكة بالسجدة لآدم بعد نفخ الروح فيه ، وهذا برهان آخر على عظمة مقام الإنسان ، ذلك أنّ السجدة تفيد منتهى الخضوع ، فكيف لو كانت من قبل كل الملائكة ؟ وهذه خير علامة على المقام الرفيع لآدم . في الآية الرابعة وبعد الإشارة إلى خلق النطفة وتطورات الجنين والألبسة المختلفة التي يكسو بها اللَّه هذه القطعة الصغيرة في مختلف المراحل ، يُغيّر عز وجل لهجة الكلام ويقول : « ثُمَّ أَنْشَأنَاهُ خَلْقاً آخَر » . إنّ التعبير ب « الانشاء » ( الايجاد ) في هذه المرحلة وخلافاً للمراحل السابقة التي عبّر عنها بالخلقة ، إضافةً إلى استخدام « ثم » التي تستعمل عادةً من أجل الفصل يدل جميعُهُ على أنّ الخلق في هذه المرحلة يختلف تماماً عن المراحل السالفة ، وهذه علامة على أنّ المراد هو خلق الروح التي ترتبط بالجسم بعد تكامله . والمثير أنّه يعبّر ب « خلقاً آخر » وهو تعبير غامض ومُغلق ، خلافاً للتعبيرات السابقة التي يتحدث فيها عن « النطفة » و « العلقة » و « المضغة » و « العظام » و « اللحم » وهي مفاهيم معروفة جميعاً ، وهذا دليل آخر على اختلاف المرحلة الأخيرة عن المراحل الماضية . ومن العجب أنّ بعض المفسرين ذكروا تفاسير لعبارة : « الخلق الآخر » لا تنسجم أبداً مع روح الآية ، من جملتها : أنّ المراد بانشاء الخلق الآخر هو ظهور الأسنان والشعر على الجسم « 1 » ! في حين أنّ هذا لا يتناسب أبداً مع تعابير الآية ولا شك أنّ ظهور الأسنان والشعر
هامش
( 1 ) روي هذا الاحتمال عن بعض المفسرين في تفسير روح المعاني ، ج 18 ، ص 14 ؛ وتفسير القرطبي ، ج 7 ، ص 4502 .