تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات القرآن — صفحة 90

مساهمون:

ص٩٠
ذلك اللَّه الذي خلق الخلق ونظم القوى الروحية للإنسان إبتداءً من الحواس الظاهرية وهي مقدمة الإدراكات الروحية وانتهاءً بقوة التفكير ، الحافظة ، التخيل ، الإدراك ، الابتكار ، الإرادة والتصميم : « وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا » . وعلّمهُ طرق الهداية بعد تنظيم هذه القوى : « فَأَلْهَمَهَا فُجُوْرَهَا وَتَقْوَاهَا » . مع أنّ القوى الروحية للإنسان متنوعة وكثيرة جدّاً ، ولكن القرآن هنا وضع إصبعه من بين كل تلك القوى على مسألة « إلهام الفجور والتقوى » ( إدراك الحسن والقبح ) ، لأنّ هذه المسألة لها تأثير كبير جدّاً في مصير الإنسان وسعادته وشقائه . قلنا مراراً : إنّ القَسَمَ يدلّ على الأهميّة والعظمة ، أهميّة المُقْسَمِ به والمُقَسَمِ له ، خاصة القَسَمُ القرآني لحمل الناس على المزيد من التفكّر في آيات « العظمة » الإلهيّة . فضلًا عن أنّ « النفس » في هذه الآية ذكرت بصيغة النكرة ، وهي في مثل هذه الموارد من أجل التأكيد على أهمية الموضوع أو كثرته « 1 » . تشير الآية الثانية إلى السؤال الذي طرح من قبل جماعة من المشركين أو أهل الكتاب ، حيث وفدوا على الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسألوه عدة أسئلة كان أحدها عن الروح كما قال القرآن : « وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوْحِ » . ثم يأمر القرآن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله : « قُلِ الرُّوْحُ مِنْ أَمْرِ رَبّى » . إنّ في هذا الجواب غير المستبين إشارة عميقة إلى مدى غموض ومجهولية هذه الظاهرة الكبيرة في عالم الوجود ، ومن أجل أن لا يَقول أحد لماذا لم تظهر واحدة من أسرار الروح ؟ يضيف اللَّه في آخر الآية : « وَما أُوتِيْتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيْلًا » .
هامش
( 1 ) تفسير روح البيان ، ج 10 - ص 442 ؛ وتفسير روح المعاني ، ج 30 - ص 142 ، وقد احتمل بعض المفسرين أن تكون « النفس » في الآية أعلاه إشارة إلى الروح والجسم كليهما ، مع أنّ عبارة : « فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا » تناسب الروح أكثر ، وكذلك الآية : « قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا . . . » .