تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
ومنها : أنّه أنزله بعلمه فقط فلم يعلم به غيره عزّ وجلّ أبدا ، لا أنت ولا قومك ولا غيرهم ، قال تعالى :
تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ
[ سورة هود ، الآية : 49 ] ، وقال تعالى :
وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا
[ سورة الشورى ، الآية : 52 ] . ومنها : انّما أنزله بعلم تامّ بأنّك أهل لإنزاله عليك ، وعلمه بأنّك تقوم بأعباء الرسالة خير قيام . وهذه الجملة المباركة تتضمّن هذه المعاني الدقيقة وغيرها ممّا لم يسع أفهامنا إليه ، وهي تكفي في الدلالة على إعجاز هذا الكتاب العظيم وصدق المنزل عليه ، وحقيقة ما جاء صلّى اللّه عليه وآله به ، فسبحان من يعلم دقائق الأمور وخفياتها ، كما فيه التبكيت العظيم لجهلهم وعنادهم . قوله تعالى :
وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً
. فإنّه تعالى هو العالم بجميع الأمور ، فقد بالغ في الشهادة بجميع جوانبها ووجوهها على وجه لا تحتاج معه إلى شهادة غيره عزّ وجلّ ، قال تعالى :
قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ
[ سورة الأنعام ، الآية : 19 ] ، وقد حكى عزّ وجلّ في القرآن الكريم ما أوضح السبيل ، وأنار الطريق ، ونصب الدليل ، وأزال الشبهة وكلّ ريب . وحقّا أن يقول سبحانه وتعالى :
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً
[ سورة الأسراء ، الآية : 88 ] . قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
. الخطاب مع أهل الكتاب ، وفيه من التعنيف والتشديد عليهم ما لا يخفى ؛ لأنّ الكفر إنّما كان بعد بيان الحجّة البالغة والاحتجاج عليهم بثبوت نبوّته صلّى اللّه عليه وآله وشهادته عزّ وجلّ وشهادة الملائكة عليها وتصديقه لما أنزله عزّ وجلّ