تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
يتحكّم في هذه القوى بهاتين الركيزتين اللتين ذكرهما عزّ وجلّ في هذه الآية الشريفة ، وهما مصدر الرجاء والخوف . بل يستفاد من الآيات المباركة الواردة في الثواب والعقاب في القرآن الكريم أنّ الإنسان إنّما يحيي ويكون صالحا بهاتين الخصلتين - الخوف والرجاء - وهما أهمّ الدعامات في التربية الإسلاميّة ، ولا يمكن أن تستوفي الفوائد المترتّبة عليها إلّا بهما ، فلما اقترن ذكرها بأهمّ حدث في الإنسانيّة وهو الرسالة لعظيم أثرها وعدم استغنائها منهما . قوله تعالى :
لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ
. غاية من غايات بعث الرسل والأنبياء ، وهي تنبئ عن عظيم لطفه بعباده وعنايته بهم ، حيث جعل لهم حجّة عليه عزّ وجلّ لو لم يبعث الرسل إليهم ، ولم يكتف بما أنعم عليهم من السمع والأبصار والأفئدة ، وما أودع فيهم من الفطرة الداعية إلى التوحيد والحقّ والعدل ، وأنّ من كرمه عزّ وجلّ بهم أنّه لم يكلهم إلى أنفسهم رغم ما وهب لهم العقل ، لعلمه الأتم بأنّهم عرضة للهوى والانحراف والضلال في العقل الموهوب ، وانتكاس الفطرة ، بل أرسل إليهم رسلا مبشّرين ومنذرين لينيروا لهم الطريق ويرشدوهم إلى ما أفسدوه من الفطرة باتّباع الشهوات وفعل المعاصي والآثام ؛ لئلّا يكون للناس على اللّه حجّة بعد إرسال الرسل وتبليغهم للشريعة ، فلا يعتذروا بالجهل ويكون الثواب والعقاب على طبق قانون العقل . قوله تعالى :
وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً
. أي : له العزّة والحكمة المطلقتان ، فلم يغلبه أحد في أمر يريده ، ويستحيل أن يغلبه شخص بحجّة ، فإنّ له الحجّة البالغة ، لكن من حكمته أنّه قطع حجّتهم بإرسال الرسل وبعث الأنبياء وتشريع الشرائع وإنزال الكتب لهدايتهم . قوله تعالى :
لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ
. استدراك عمّا قبله ويتضمّن معنى الاستثناء والردّ عليهم وتبكيتهم بإنكارهم