تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
لنبوّته صلّى اللّه عليه وآله وعدم شهادتهم بها مع علمهم بالمشهود به ووضوحه لديهم ، ومع ذلك كلّه ينكرون ويكابرون بالشهادة والإيمان ويكفرون به صلّى اللّه عليه وآله وبما أنزلنا إليه فيسألونه أن ينزل عليهم كتابا من السماء ، وقد ردّ عليهم بأنّهم سألوا موسى عليه السّلام أكبر من ذلك ، وأنّهم في سؤالهم هذا مكابرون ؛ لأنّ ما جاء به النبي صلّى اللّه عليه وآله وما أوحي إليه هو نفس ما أوحي إلى سائر النبيين ، وأنّ الوحي واحد والغاية متّحدة ، فإن لم تلزمهم الحجّة ويشهدوا لك بالنبوّة والرسالة ، فاللّه تعالى يشهد بنبوّة محمّد صلّى اللّه عليه وآله وصدق ما انزل إليه ، وهذه مزيّة خاصّة لنبوّة خاتم الأنبياء صلّى اللّه عليه وآله ، فإنّه عزّ وجلّ يشهد بحقيقة ما انزل إليه ، وهو يكفي في الشهادة على نبوّته وصدقه صلّى اللّه عليه وآله لإعجازه ، فلا يحتاج إلى إنزال كتاب آخر ، وفيه الردّ على سؤالهم ولجاجهم . قوله تعالى :
أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ
. تأييد آخر لصدق ما انزل إلى الرسول صلّى اللّه عليه وآله وحقيقته ، وبيان إلى أنّ ما انزل إليه إنّما كان عن علم بجميع خصوصيات المنزل وإحاطته به إحاطة تامّة يسلم عن كلّ باطل وزيغ ، وتتضمّن الآية الشريفة أمورا كثيرة . منها : أنّ ما انزل إليه صلّى اللّه عليه وآله هو من علمه الأتم ، فيحتوي على جميع الحقائق الواقعيّة والتوجيهات الربوبيّة والتشريعات الربانيّة فتكون هذه مزيّة فائقة على جميع الكتب الإلهيّة . ومنها : أنّه أنزله بعلمه الخاصّ الّذي لا يعلمه غيره ، فيكون معجزة خارقة للعادة ، يعجز عنه كلّ بليغ وصاحب بيان . ومنها : أنّه أنزله بعلمه لئلّا يفسده الشيطان ، فيضع الباطل مكان الحقّ أو يخلطه ، فيدخل شيئا من الباطل في الوحي الإلهي الحقّ ، قال تعالى :
عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً * لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً
[ سورة الجن ، الآية : 27 - 28 ] .