تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 133

مساهمون:

ص١٣٣
الحنيفيّة الّتي أقرب إلى الفطرة ، وأمّا شريعة عيسى عليه السّلام فقد كانت امتدادا لشريعة موسى عليه السّلام . الرابع : يستفاد من القيد في قوله تعالى :
وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ
أنّ قتل الأنبياء عليهم السّلام حرام في جميع الوجوه والحالات ، وأنّه لا يكون حقّا مطلقا ، فإذا كان القتل حراما وباطلا لأنّه غير حقّ ، فيشمل الأذية والإهانة ونحوهما ؛ لأنّهما غير حقّ أيضا ، فهي حرام وباطل بالنسبة إليهم . الخامس : يدلّ قوله تعالى :
وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ
على نفي القتل الّذي زعمه اليهود ونفي الصلب الّذي يزعمه النصارى ، وأنّ القتل أو الصلب كان في حقّ شبيه عيسى عليه السّلام ، ولعلّ السرّ في هذا التشبيه هو أنّه لو رفع إلى السماء ظاهرا بمرأى من الناس ، لاستحكمت شبهة الألوهيّة فيه وسرت إلى بعض المؤمنين به . كما أنّه لو غيّب عنهم المسيح عليه السّلام ورفع إلى السماء في الخفاء من دون إلقاء الشبه على غيره ، لاتّهموا أهله والمؤمنين به بإخفائه فعمّهم البلاء وكثر فيهم القتل والتنكيل وفضيحة النساء طلبا لإظهاره ، ولعلّه لذلك عقّب سبحانه هذه الآية الشريفة بقوله :
وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً
، وهذا هو المكر الّذي أثبته لنفسه عزّ وجلّ في قوله تعالى :
وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ
[ سورة آل عمران ، الآية : 54 ] ، فإنّ مكره وتدبيره الخفي لا يكون إلّا جاريا على الحكمة ، وهو القوي العزيز الّذي لا يغلبه مكر الماكرين . السادس : يستفاد من قوله تعالى :
بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ
أنّ الغاية من رفعه هو تكريم السيد المسيح برفعه من الأرض الّتي فيها الكافرون والفساق وتطهيره منهم إلى السماء الممحضة لتسبيحه عزّ وجلّ ، فكنّى سبحانه وتعالى عن ذلك برفعه إليه ، وإلّا فإنّ اللّه جلّ شأنه لا يخلو عنه مكان ، ويؤكّد ذلك قوله تعالى في سورة آل عمران :
وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا
[ سورة آل عمران ، الآية : 55 ] .