تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
في تحفّظه ، فلا يعود إليه ثانيا ، كما أن تحرير الرقبة الّتي هي عبء ثقيل على المجتمع ، فإنّ المملوك عضو ميّت وإن كان بصورة الأحياء ؛ لأنّه ليس له كمال الاختيار بالتصرّف بما شاء ، فيكون تحريره بمنزلة إحيائه بدل ما فقدوا منهم واحد ، كما أنّ صيام شهرين متتابعين بدل عتق الرقبة ؛ لأنّ له الأهميّة الكبيرة في ترويض النفس وإرغامها على قبول الفضائل وترك الرذائل ، فهو من الأمور التربويّة الإصلاحيّة .

العاشر :

يشتمل قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً
على العظة والتوبيخ ، ولا يدلّ على كون القتل في هذه الآية المباركة من القتل العمد ، فإنّ الظاهر أنّ القاتل زعم كون المقتول كافرا وأراد خلاص نفسه بإلقاء السلام ، فلم يثق بكونه مؤمنا ، فتكون الآية الشريفة ردّا عليه ، وتوبّخه بأنّ المدار في الإسلام على الظاهر . وأمّا الباطن والحقيقة ، فلا يعلمهما إلّا اللّه تعالى . وبناء على هذا ، يكون قوله تعالى :
تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا
نازلا على مقتضى الحال ، أي : حالكم في قتل من يظهر الإسلام من دون اعتناء بشأنه حال المؤمن الّذي يجاهد في سبيل الغنيمة وجمع المال ، فلا يكون قصده سبيل اللّه تعالى ، فإنّ من سبيل اللّه هو الاعتناء بأحوال المؤمنين والأخذ بظاهر الإسلام ، لا ما كان عليه حال المؤمنين قبل الإسلام ، فإنّه لم يكن قصدهم إلّا ابتغاء عرض الحياة الدنيا إلى أن من اللّه تعالى عليهم بالإيمان وهداهم برسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله . ثمّ إنّ المراد من سبيل اللّه الأعمّ من السير في الأرض - كما هو الظاهر من الآية المباركة - أو السير والسلوك إلى اللّه تعالى في طلب المعرفة والهداية إلى الحقّ والإيمان به ، فيكون للسير والضرب حينئذ الدرجات بالارتقاء بأن يصير الإيمان به إيقانا ، والإيقان عيانا ، والعيان غيبا ، وصار الغيب شهادة والشهادة شهودا والشهود شاهدا والشاهد مشهودا ، وبهما أقسم اللّه تعالى :
وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ
[ سورة البروج ، الآية : 3 ] ، وهذا مقام لا يناله إلّا الأولياء والأخصّ من الخواص ،