بقوله تعالى
وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ
فانّ الغاسق في اللغة الهاجم بضرره والوقوب الدخول بعنف والهاجم بضرره في العالم الأكبر الظلمة وزمانها الليل ولذا يكثر فيه الفسق والفجور كالقتل والسرقة والزنا وغيرها من الشرور والاظلام وضرر السباع والهو امّ وفي العالم الصغير اى الانسان الجهل سيّما إذا كان في صورة العلم ويسمّى بالجهل المركب كما يشاهد في أكثر مدّعى العلوم ولعمري ليس في العالم شئ أكثر ضررا وأشد ظلمة وأو فر شرّا من هذا الجهل كما قال عز وجل
إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ
س 8 ى 22 فالتعوذ منه باللّه من أهم الواجبات أعاذنا اللّه وجميع المؤمنين منه ومن آثاره المهلكة .
وقد يعرض الجهل وزوال العقل بغلبة الشهوة ونعوذ الذكر كما ورد في الحديث إذا قام الذكر ذهب نصف العقل . فالتعوذ باللّه منها أيضا لازم جدّا وثانيها ما أشير اليه بقوله تعالى :
وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ
النفث القاء النفس ( بالتحريك ) بنحو خفى والعقد بضم العين وفتح القاف جمع عقدة بضم العين وسكون القاف بمعنى الاحكام والابرام من كلّ شئ والمراد من النفاثات النساء الماكرات اللاتي يصرفن الرجال عن عقائدهم وعزائمهم ويحوّلن أوضاعهم وأحوالهم امّا بعنوان النصح والبيان اللطيف وامّا بطريق السحر كعقد الخيط والنفث فيه كما في مورد نزول السورتين على ما ذكره المفسرون ولأجل التعميم اتى بلفظ النفاثات في العقد ولم يأت بلفظ الساحرات بالعقد .
ثمّ انّ حصول السقم والصحة والبغض والمحبّة بعمل النفث ونحوه من اقسام السحر وان كان على خلاف الطبيعة قسرا ولذا لا يدوم لكن لا غرابة ولا بعد فيه أصلا إذ مع ثبوت الارتباط بين جميع اجزاء العالم من السماوات والأرض وما فيهما من الكائنات وبين النفوس البشرية كما حقّق في محله بعد معرفة طرق التأثير والعلم