جميع الناس كما أفاض إلى الأنبياء والائمّة الطاهرين ( ع ) فيردع ذلك بانّ أكثر الناس إذا رأوا أنفسهم مستغنين بالعلوم عن غيرهم طغوا وأفسدوا في الأرض كيف وقد طغوا ان رأوهم مستغنين بمجرد كثرة المال وحطام الدنيا وهو متاع قليل فظهر ان استغناء أكثر الناس بالعلوم خلاف الحكمة الربوبية فلا رادع لاطلاق الإفاضة بمقتضى الأكرمية الا الحكمة الربوبية كما أشار اليه بقوله تعالى
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ
س 15 ى 21 ومن هذا البيان ظهر فساد ما ذكره الجرجاني على ما نقله فخر الرازي وتبعه المجمع ان كلّا هنا بمعنى حقا لانّه ليس قبله ولا بعده شئ تكون كلا ردّا له .
ثمّ ان الاتيان بلفظ ان راه للاشعار بان استغناء الطاغي على حسب رأيه الفاسد واما في نفس الامر فلا استغناء لاحد ابدا كما قال تعالى
يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ
س 35 ى 15
قوله تعالى
إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى
هذه الآية تسلية لما أصاب قلوب أهل الايمان من فجايع الطغيان كما في قوله تعالى
الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ
س 2 ى 155 وبيان الوجه في ذلك موكول إلى محلّه عند تفسير الآية في سورة البقرة ان شاء اللّه تعالى والرجعى مصدر كالرجوع وانّما اتى به لتسجيع الآيات .
ثمّ انّ طغيان الانسان بخيال الاستغناء حيث كان عجيبا وبعيدا عن الوقوع في نظر الكامل في الانسانيّة لظهور ضعفه وبروز فقره عنده بالكشف والعيان أشار عز وجلّ إلى بيان المصداق بطريق الاعجاب بقوله تعالى :
أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى
ذكر جمهور المفسرين ان هذه الآيات نزلت في أبى جهل حيث قال هل يعقر محمّد وجهه بين أظهركم قالوا نعم قال فبالذي يحلف به لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته فقيل له ها هو ذلك