تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 238

مساهمون:

ص٢٣٨
وهيهنا لطيفة يعجبني ذكرها لتناسب المقام وهي انه ذكر بعض الأفاضل انه سئل عن البقراط ما معنى الانسان فقال الانسان ما اجتمع فيه وصفان الأول ما في أوله حرف يدل على البيضاء وثانيه كثالث الثاني وثالثه كثانى الثاني والثاني عين الأول الّا ان ثانيه كثالث الأول وثالثه كثانى الأول ثم قال من استنبط مفهوم هذا الكلام فهو واجب الاكرام انتهى . فقلت له أصلحك اللّه بدرك الحقايق وعلم الدقايق انّ هذا الكلام وان كان مليحا لطيفا وقائله عظيما شريفا الا انّ الانصاف انّ هذا تعريف بالأوصاف والأوجه عند أرباب الذوق والعرفان تعريف الحسان بالأعيان وهو انّ الانسان شيئان عجيبان متوافقان متخالفان اوّلهما أكرم ما في بقعة الامكان وثانيهما أرذل ما في عالم الوجدان وكلّ منهما ثلاثة بلا زيادة ونقصان الّا انّهما في الأول متوافقان وفي الباقي متعاكسان وأحدهما عين الاخر في ظاهر الأزمان وغيره في باطن الأعيان والأول ظاهر من تمام الانسان والثاني ثابت بظاهر القرآن والمستنبط لمدلول هذا البيان غريب الزمان بعيد عن الأوطان . قوله تعالى
اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ
زعم بعض المفسرين انّ هذا التأكيد وفيه مضافا إلى أولوية التأسيس من التأكيد انّ المطلوب في الأول ليس نفس القراءة بل المطلوب فيه جعلها بعنوان سمة الرب كما حققناه وفي الثاني نفس القراءة وحيث انّ مقتضى عالم الطبيعة الظلمة والجهالة فحق الانسان الواقع فيه ان لا يعلم شيئا أصلا كما قيل :
العلم للرحمن جل جلاله * وما سواه في جهلاته يتغمغم
وكل من يطلب علما انّما * يسعى ليعلم انّه لا يعلم
فالانسان المأمور بالقراءة بعنوان الخلافة والنيابة له مجال ان يقول بلسان الحال يا رب انى لا اعلم شيئا فما اقرأ ويقول الرب اقرأ ولا تخف من ظلمة الطبيعة فانّ